في مدينة ميونخ لا يُعقد مجرد مؤتمر عابر، بل تُفتح نافذة سنوية يطلّ منها العالم على نفسه، يراجع خرائطه، ويقيس أعصابه، ويختبر حدود قوته. إن Munich Security Conference لم يعد مجرد لقاء بروتوكولي تتبادل فيه الوفود الابتسامات والكلمات المنمقة، بل صار مرآة صافية تعكس قلق النظام الدولي وهو يعيد تشكيل ملامحه تحت ضغط الحروب والتنافسات الكبرى.
العالم الذي اجتمع في ميونخ هذا العام ليس هو العالم الذي اجتمع قبل عقد من الزمن. آنذاك كانت العولمة تبدو قد حسمت المعركة لصالح شبكة مصالح مترابطة، وكان الحديث عن “النظام الدولي القائم على القواعد” يبدو وكأنه حقيقة مستقرة. اليوم، تعود مفردات قديمة إلى الواجهة: الردع، التسلح، مناطق النفوذ، وموازين القوى. الحرب بين روسيا وأوكرانيا ليست مجرد نزاع إقليمي، بل اختبار مفتوح لإرادة أوروبا، ولسقف الدعم الذي يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها دون أن تنزلق إلى مواجهة أوسع.
في أروقة المؤتمر، يُطرح السؤال بهدوء لكنه يرنّ بقوة: هل تبقى أوروبا تحت المظلة الأمريكية كما كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أم أن الزمن يدفعها إلى البحث عن استقلال استراتيجي؟ هنا يحضر اسم الناتو كعنوان لتحالف لا يزال قائمًا، لكنه يواجه إعادة تعريف لدوره ووظيفته. بعض الأصوات الأوروبية تتحدث عن ضرورة أن تتحمل القارة عبئها الدفاعي كاملاً، لا باعتباره خيارًا سياسياً فحسب، بل باعتباره ضرورة وجودية في عالم تتراجع فيه اليقينيات.
لكن ميونخ لا يناقش الحرب فقط، بل يناقش ما وراء الحرب: مستقبل الطاقة، سلاسل الإمداد، الأمن السيبراني، وصعود التكنولوجيا كسلاح سياسي واقتصادي. لقد بات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، وحتى البيانات، جزءًا من معادلة الأمن القومي. ولم تعد الجيوش وحدها هي التي ترسم الحدود، بل أصبحت الشركات العملاقة وشبكات التكنولوجيا شريكة في صياغة ميزان القوة.
أما الشرق الأوسط، فهو حاضر دائمًا في الخلفية. ليس فقط بسبب موقعه في خريطة الطاقة، بل لأنه مساحة تقاطع مصالح بين القوى الكبرى. أي خلل في توازناته ينعكس مباشرة على أوروبا، وأي تصعيد فيه يفتح أبوابًا جديدة للتدخلات والمساومات.
أهمية مؤتمر ميونخ هذا العام لا تكمن في بيان ختامي أو صورة جماعية، بل في الرسائل غير المعلنة التي تتسلل بين الكلمات: العالم يدخل مرحلة انتقالية، والنظام الذي تشكّل بعد الحرب الباردة يواجه امتحان البقاء. القوى الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها، والتحالفات تُختبر، والاصطفافات تُراجع.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُصنع القرارات في يوم واحد، لكنها تبدأ من هنا… من قاعة يجلس فيها الخصوم وجهاً لوجه، يتحدثون عن السلام وهم يحسبون احتمالات الحرب، ويتفاوضون على الشراكة وهم يستعدون لاحتمالات القطيعة. ميونخ ليس مجرد مؤتمر، بل محطة على طريق عالم يتغير، وربما يعاد تشكيله من جديد.

