في العلاقات الدولية لا تُقاس الأحداث بوهج الانفجار الذي يضيء السماء، بل بما تخلّفه من تحولات في ميزان القوى. وما يجري اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية تختبر معنى السيادة وحدود الردع في النظام الدولي.
لقد أدّت الضربات العسكرية التي استهدفت القيادة الإيرانية، والتي انتهت بمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من التوتر. فاستهداف رأس النظام السياسي في دولة ذات سيادة يتجاوز كونه عملية عسكرية؛ إذ يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، لأنه يمسّ جوهر الدولة نفسها.
ومن زاوية القانون الدولي، يقوم النظام العالمي الحديث على مبدأ أساسي نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة، وهو حق الدول في الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لعدوان خارجي. وهذا الحق لا يخص الدول الكبرى وحدها، بل يشمل جميع الدول دون استثناء. لذلك فإن القراءة الهادئة للأحداث تقتضي الاعتراف بأن إيران، مثل أي دولة أخرى، تملك من حيث المبدأ مشروعية الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لهجوم مباشر.
غير أن الواقع الجيوسياسي أكثر تعقيدًا من النصوص القانونية. فإيران ليست دولة هامشية في الإقليم، بل قوة إقليمية مؤثرة لها حضور سياسي وعسكري في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط. وفي المقابل ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذا النفوذ يمثل تهديدًا لتوازن القوى في المنطقة. ومن هنا يتحول الصراع إلى ما هو أبعد من مواجهة عسكرية، ليصبح صراعًا على شكل النظام الإقليمي ومستقبل توازناته.
ومع ذلك، تُظهر التجارب التاريخية أن الضربات التي تستهدف قيادة الدول لا تؤدي دائمًا إلى النتائج التي يتوقعها منفذوها. فكثيرًا ما تؤدي الضغوط الخارجية إلى تعزيز التماسك الداخلي للدول، إذ تميل المجتمعات في لحظات التهديد إلى الالتفاف حول مؤسسات الدولة، حتى وإن كانت تعاني من خلافات أو أزمات داخلية.
وفي المقابل، تدرك إيران أن المواجهة العسكرية المباشرة مع قوة كبرى مثل الولايات المتحدة ستكون شديدة الكلفة. ولهذا اعتمدت منذ سنوات استراتيجية تقوم على الردع غير المتكافئ. وتعتمد هذه الاستراتيجية على أدوات متعددة، مثل القدرات الصاروخية، والضغط في الممرات البحرية الحساسة، وتوظيف النفوذ الإقليمي. والهدف من هذه الأدوات ليس تحقيق انتصار عسكري تقليدي بقدر ما هو رفع كلفة الحرب على الخصم إلى مستوى يجعله يعيد حساباته.
وهنا تتشكل معادلة دقيقة: تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تقليص قدرات إيران ومنعها من توسيع نفوذها أو تطوير قدرات استراتيجية متقدمة، بينما ترى إيران أن ما يحدث هو محاولة للحد من سيادتها ودورها الإقليمي. وفي قلب هذه المعادلة يبرز سؤال جوهري: هل يمكن كسر توازن الردع دون أن يؤدي ذلك إلى حرب أوسع؟
حتى الآن تقف المنطقة أمام ثلاثة مسارات محتملة. الأول هو تصعيد واسع قد يحول المواجهة إلى حرب إقليمية تشمل أطرافًا أخرى. والثاني هو حرب استنزاف طويلة تتخللها ضربات متبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة. أما المسار الثالث، وهو ما انتهت إليه أزمات كثيرة في التاريخ، فهو انتقال الأطراف في النهاية إلى طاولة التفاوض بعد مرحلة من التصعيد العسكري.
إن القراءة المتأنية للأحداث تدعونا إلى الابتعاد عن منطق الانتصار السريع أو الهزيمة الحاسمة. فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط يبيّن أن الصراعات الكبرى فيه نادرًا ما تُحسم بضربة واحدة. وفي هذا السياق، فإن الاعتراف بحق إيران في الدفاع عن نفسها لا يعني تبني مواقفها السياسية أو تبرير سياساتها، بل يعني ببساطة الالتزام بمبدأ أساسي في العلاقات الدولية لكل دولة الحق في حماية سيادتها عندما تتعرض لهجوم.
وهكذا فإن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة بين جيوش، بل اختبار جديد لحدود القوة في عالم يسعى إلى تحقيق توازن صعب بين الردع والقانون، وبين القوة والسيادة. وربما يكون الدرس الأهم الذي تفرضه هذه الأزمة هو أن الأمن الدائم لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بوجود توازن يعترف فيه كل طرف بحق الآخر في الوجود والدفاع عن نفس.

