رفعت إسرائيل اليوم الجمعة من سقف تهديداتها تجاه الدولة اللبنانية، في تصعيد لفظي وميداني غير مسبوق، حيث توعدت تل أبيب بتدفيع الحكومة في بيروت “ثمناً باهظاً” عبر إستراتيجية مزدوجة ترتكز على تدمير البنى التحتية الحيوية والتوغل البري لإعادة رسم الخرائط الحدودية.
وتأتي هذه التهديدات لتعكس تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية تجاه الجبهة الشمالية؛ فبعد أشهر من حصر المواجهات في نطاق جغرافي وعسكري محدد، يشير الخطاب الجديد إلى تحميل المسؤولية المباشرة، حيث تسعى الدولة العبرية إلى إزالة الفوارق التقليدية بين الأهداف العسكرية والبنية التحتية للدولة اللبنانية (مطارات، محطات طاقة، وجسور)، معتبرة أن مؤسسات الدولة هي الغطاء الشرعي للعمليات العسكرية ضدها.
وتهدف هذه السياسة إلى خلق ضغط شعبي وسياسي داخلي في لبنان عبر استهداف مفاصل الحياة اليومية، وهو ما يراه مراقبون محاولة لفرض واقع سياسي جديد بالقوة العسكرية.
وفي سياق متصل رفضت إسرائيل عرضا تاريخيا من لبنان لإجراء محادثات مباشرة، واعتبرته متأخرا جدا وغير كاف من حكومة تشاركها هدف نزع سلاح جماعة حزب الله لكنها لا تستطيع التحرك ضد الجماعة اللبنانية المدججة بالسلاح دون المخاطرة باندلاع حرب أهلية.
ويمثل التلويح بـ”احتلال مزيد من الأراضي” عودة لسياسة الأحزمة الأمنية، حيث تهدف إسرائيل إلى إبعاد التهديدات عن مستوطنات الشمال عبر السيطرة المباشرة على نقاط استراتيجية داخل العمق اللبناني.
وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس عقب جلسة تقييم أمنية بمقر وزارته بمدينة تل أبيب الخميس: “الليلة، هاجم الجيش الإسرائيلي ودمر جسراً مركزياً فوق نهر الليطاني، كان يُستخدم كمعبر لعناصر حزب الله لنقل الأسلحة إلى جنوب لبنان”.
وأضاف “هذه مجرد بداية، وستدفع الحكومة اللبنانية ودولة لبنان ثمناً باهظاً لتدمير البنية التحتية الوطنية اللبنانية التي يستخدمها عناصر حزب الله لتنفيذ عملياتهم وقصف دولة إسرائيل”.
وأردف كاتس “رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأنا وبالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، ملتزمون بحماية سكان الشمال وجميع مواطني إسرائيل، وسنبذل قصارى جهدنا للوفاء بهذا الالتزام في إيران ولبنان على حد سواء”.
وأعلن الجيش الإسرائيلي اليوم الجمعة أنه أغار على جسر الزرارية على نهر الليطاني في لبنان بداعي استخدامه كممر مركزي لعناصر حزب الله. من جهتها قالت هيئة البث الإسرائيلية إن “قرار قصف الجسر اتُّخذ على المستوى السياسي بناءً على توصية المستوى الأمني”.
وأضافت إن “نتنياهو طلب من الجيش الإسرائيلي عرض أهداف مدنية إضافية لنيل مصادقته، في إطار مسعى لزيادة الضغط على الحكومة اللبنانية ودفعها إلى التحرك ضد حزب الله”.
ويأتي هذا الوعيد في توقيت شديد الحساسية، حيث يثير مخاوف من انهيار الجهود الدبلوماسية، ما من شأنه أن يقوض المساعي الدولية الرامية لإيجاد مخرج سياسي يرتكز على القرار 1701.
وينتظر أن يدفع استهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية أطرافاً إقليمية أخرى للتدخل بشكل مباشر، مما يهدد بنشوب حرب إقليمية شاملة، كما سيؤدي قصف المرافق العامة في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية طاحنة إلى كارثة إنسانية ستلقي بظلالها على استقرار المنطقة بأكملها.
ويمكن القول إن إسرائيل تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بمنطق “الحزم العسكري”، بينما يترقب الشارع اللبناني بقلق مدى جدية تنفيذ هذه التهديدات، في ظل صمت دولي لم ينجح حتى الآن في لجم التصعيد المتدحرج على جبهة جنوب لبنان.
وفي سياق متصل ألقى الطيران الإسرائيلي اليوم الجمعة مناشير دعائية فوق مناطق في العاصمة اللبنانية بيروت تضمنت رسائل تحريضية ضد حزب الله ودعوات لنزع سلاحه. ووصفت الحزب بأنه “ذراع إيران”، كما حملت شعارا يقول: “لبنان هو قرارك، مش قرار غيرك”.
وأعلن الجيش الإسرائيلي في وقت لاحق عن تصديق رئيس هيئة الأركان اللواء إيال زامير، على خطط عسكرية ترمي إلى “تعميق العمليات” ضد حزب الله في لبنان بما يشمل تعزيزا واسعا للقوات النظامية على الحدود الشمالية، إلى جانب تجنيد قوات احتياط إضافية.

