أمهلت السعودية مساء السبت الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة من موظفي السفارة، بعد تصنيفهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم، 24 ساعة لمغادرة البلاد، فيما جاء القرار على خلفية ما وصفته الرياض باستمرار الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أراضيها، في سياق التصعيد المرتبط بالحرب الدائرة في المنطقة.
ووفق بيان وزارة الخارجية السعودية، فإن المملكة تعرضت منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى مئات الهجمات الجوية، تم اعتراض الغالبية العظمى منها. ورغم نجاح الدفاعات الجوية في تقليل الخسائر، فإن تكرار هذه الهجمات شكّل ضغطًا أمنيًا وسياسيًا متزايدًا، دفع الرياض إلى اتخاذ هذا الإجراء الدبلوماسي الحازم.
ولا يقرأ القرار السعودي فقط كإجراء تقني ضمن الأعراف الدبلوماسية، بل كرسالة سياسية مباشرة إلى طهران، مفادها أن استمرار الهجمات لن يمر دون رد. وأكدت الخارجية أن هذه الاعتداءات سيكون لها “أثر بالغ” على طبيعة العلاقات الحالية والمستقبلية بين البلدين، ما يشير إلى احتمال انهيار مسار التهدئة الذي بدأ قبل عامين.
وكانت السعودية وإيران قد أعلنتا في عام 2023 استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة والتوتر، في خطوة اعتُبرت حينها تحولًا مهمًا نحو خفض التصعيد في المنطقة، غير أن التطورات الأخيرة، خاصة في ظل الحرب الجارية، أعادت العلاقة إلى مربع الشكوك، بل وربما إلى حافة القطيعة مجددًا.
وصعّد وزير الخارجية السعودي من لهجة التحذير، مؤكدًا أن بلاده تحتفظ بحقها الكامل في الرد العسكري على إيران، وأن الثقة مع طهران “تحطمت” نتيجة الهجمات الأخيرة. وهذا التصريح يعكس تحولًا في الخطاب السعودي من الاحتواء إلى الردع، ويشير إلى أن الخيارات العسكرية باتت مطروحة، ولو على سبيل التلويح.
ولا يقتصر التصعيد على الجانب السياسي أو العسكري، بل يمتد إلى التأثيرات الاقتصادية، حيث أدت الهجمات إلى اضطراب في صادرات النفط والغاز من المنطقة، وتوقف الإنتاج في بعض المواقع. وبالنظر إلى أهمية الخليج كمصدر رئيسي للطاقة عالميًا، فإن استمرار هذا الوضع يهدد بإحداث تقلبات في الأسواق الدولية، ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
كما أن استهداف ما تصفه إيران بـ”المصالح الأميركية” في دول الخليج يوسّع من دائرة التوتر، ويضع هذه الدول في قلب المواجهة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد أدانت عدة دول هذه الهجمات، معتبرة أنها تمس بأمنها وسيادتها، وتزيد من مخاطر الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع.
وتبدو خطوة طرد الدبلوماسيين الإيرانيين كحلقة جديدة في سلسلة التصعيد المتسارع، حيث تتداخل الرسائل السياسية مع التحركات العسكرية، وتُختبر حدود الردع بين الطرفين. وبينما لا تزال قنوات التواصل الدبلوماسي قائمة شكليًا، فإن مضمون العلاقة يشهد تآكلًا واضحًا، يهدد بإعادة رسم خريطة التحالفات والتوازنات في المنطقة.
ومع استمرار الهجمات وتزايد حدة الخطاب، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء جديد للأزمة، أم نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز الحسابات التقليدية.

