مٱلٌ فاجأ العديد ممّن لم يقرؤوا جيدا موازين المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني وحليفه الأمريكي وقللوا سابقا من شأن الأوراق الإيرانية فيها، هذا الذي انتهت إليه ليلة 8/7 أفريل حرب الأربعين يوما الصهيوأمريكية على إيران، باعلان الإمبريالي البرتقالي ترامب وحليفه الصهيوني الدموي النتن ياهو قبولهما بوقف العدوان على إيران فورا والذهاب للتفاوض.
هذه النتيجة في حد ذاتها إنما تعتبر بكل المقاييس في رأينا، رضوخا صهيوأمريكيا لا شك فيه لمفاجٱت واقع المواجهة التي لم يحسب لها لا ترامب ولا النتن ياهو حسابا عندما قرُراها، وتُعدّ اعترافا ضمنيا منهما بالفشل الذريع في تحقيق الأهداف التي رسماها للعدوان على إيران سواء منها الأهداف المعلنة أو حتى تلك الأهداف المخبّأة لقرار الحرب خلف الستار، وذلك رغم استمرار المجزرة الصهيونية وسياسة الأرض المحروقة التي مازال يسلكها إلى الٱن النتن ياهو في لبنان في إطار محاولته التفصّي ومن ورائه ترامب من سريان اتفاق اطلاق النار على الجبهة اللبنانية حسب مضمونه الذي كان أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني.
فصحيح أنّ اتفاق اطلاق النار بين ايران وعدوها الصهيوأمريكي مازال يعدّ هشا إلى الٱن وتحفّ به عديد المخاطر أوّلها استمرار العجرفة الصهيونية في لبنان الشقيق بتأييد اجراميّ أمريكي كطعنة غادرة جديدة تُغمِدها اليد الصهيوأمريكية الوحشية في خاصرة القانون الدولي.
وصحيح أنّ ترامب والنتن ياهو ليسا البتة أهلا للثقة وهما اللذان بدٱ العدوان على إيران والمفاوضات جارية.
إلا أنّ ذلك لا يحملنا على التقليل من شأن حقيقة أنّ مجرد هذا القبول الفوري من قبل الشعبوي البرتقالي وحليفه الصهيوني الدموي بوقف العدوان على الجبهة الرئيسة في الحرب وهي الجبهة الإيرانية، إنما هو انصياع إضطراري منهما فرضه عليهما واقع الميدان وليس شيئا ٱخر، وهو واقع لم يكن ليتيح لهما بعد 40 يوم من الفشل المتفاقم مسلكا ٱخر غير الخروج السريع مُكرهيْن من المعركة لتنفّس الصعداء دون حتى تحقيق أي مكاسب ولو دنيا لا سياسية ولا جيوسياسية، بل والانحناء بوضوح لخارطة المشيئة الإيرانية في أغلب عناوينها، فيما تظل إيران قبل يوم الجمعة القادم (موعد بداية جلسات التفاوض باسلام أباد) وبعده محتفظة بأوراق عديدة لفرض ادخال الجبهة اللبنانية في ورقة السلام المفروض مثلما أدخلتها بقوة في ورقة الحرب، وانتزاع امتثال الثنائي ترامب والنتن ياهو لشرط الأمان أيضا لهذه الضفة (اللبنانية) من المعادلة الإيرانية. ومن أوراق الضغط الوازنة التي مازالت إيران تتحوّز عليها دون شك ورقة غلق مضيق هرمز الموجعة جدا لترامب.
ففي مطلق الأحوال إذن يعدّ رضوخ البرتقالي وحليفه الدموي الصهيوني لخيار إيقاف العدوان على إيران والقبول بالكثير من شروطها ، هزيمة لهما وانتصارا استراتيجيا بالنقاط حققته إيران فعلا حاليا على عدوّيْها، ذلك أنّ ما كان أعلنه في السابق الشعبوي البرتقالي ومعه النتن ياهو من أهداف لهذا العدوان قبل انطلاقه وأثناء أيامه ولياليه الطويلة، إنما لم يتحقق منه شيء على الإطلاق في الواقع.
فلا هذا العدوان الاجرامي نجح على مدى 40 يوم في اسقاط النظام الإيراني ولا تم انتزاع اليورانيوم الايراني كما توعّد ترامب ولا وقع احتلال ولو شبر واحد من إيران ولا نجحت الترسانة الأمريكية في صدّ الهجمات عليها وعلى قواعدها بالخليج ولا نجح سلاح دفاع الكيان وقبّته في التصدي للهجمات الإيرانية التي تواصلت بلا هوادة طيلة 40 يوم بلياليها وأوقفت الحياة العامة في الأراضي المحتلة وحوّلت حياة الصهاينة إلى جحيم حقيقي تحت القصف بين إصابات وفرار وملازمة للملاجئ ، ولا نجح ترامب في محو الحضارة في إيران وإعادتها إلى العصور الحجرية كما كذب.
وحتى القول إن ترامب قد يغنِم من الاتفاق الجديد فتح مضيق هرمز بعد طول غلق، فإن ذلك لا يمكن -إن تحقق- تسويقه أصلا على أنه مكسب حققه العدوان الصهيوأمريكي وستدفعه إيران من رصيدها الانتصاري، ذلك أنّ مضيق هرمز إنما كان مفتوحاً أساسا قبل العدوان وإيران لم يكن في رصيد نفوذها هذا المضيق أصلا قبل الحرب حتى يجوز أن نقول إنها تخسره اليوم حين قد تقبل بفتحه مع فرض رسوم على عابريه، فهي إنما بسطت نفوذها عليه أثناء المعركة كورقة عززت بها موقفها الانتصاري لتكون لها اليد العليا الٱن في الموقف التفاوضي الذي ٱلت إليه المواجهة الميدانية، وليكون مضيق هرمز شاء ترامب والنتن ياهو أو لم يشٱ، ورقة بيد إيران لوحدها لإملاء شرط الأمان للبنان في الاتفاق واعلاء سقف مطالبها الأخرى.
*كيف قلب تمايز ثنائية النزيف والاستنزاف بين الجانبين موازين القوى لصالح إيران؟
حريّ بنا أيضا ونحن اليوم بصدد قراءة المشهد والمٱل الذي انعطفت إليه مواجهة الأربعين يوم، أن ننتبه إلى حقيقة أخرى وهي أن هذا الانتصار الاستراتيجي لإيران إنما لم يأت لولا تظافر عوامل عديدة عمقت الفجوة الكبيرة لمدة أربعين يوما بين الانتظارات والأحلام والحسابات الترمبية والنتنة التي أخذتهما إلى اقرار الحرب (حين حلُمٓا أنهما ربما سيكونان في فسحة سريعة تشبه فسخة التجربة الفينوزويلية)، وبين مٱلات واقع المعركة الحقيقي.
وفي رأينا على رأس هذه العوامل التي ارتطمت بها الأحلام الترامبية والنتنة وساهمت في رأينا في صنع الانتصار الاستراتيجي الحالي لإيران، هو التباين المتأصل الذي ظهر في ثنائية النزيف والاستنزاف بين حالها في الجانب الإيراني وحالها في المقابل في جانب أصحاب العدوان الصهيوأمريكي، وهو ما لم يحسب له لا ترامب ولا النتن ياهو الحساب.
فعلى صعيد مسألة النزيف برز بوضوح الفارق الأصيل بين دولة وشعب يقاومان مقاومة مبدئية (وفي جانب منها عقائدية) لعدوان غاشم ظالم عليهما، وبين دولتين معتديتيْن اعتداء اجراميا دون أي سند لا قانوني ولا أخلاقي ودون تأييد شعبي حقيقي لا من مجتمع الكيان ولا من المجتمع الأمريكي.
ففي حالة ايران كانت كل قطرة دم تُسال لجريح أو شهيد أو مقدّر من المقدّرات كان يصاب في العدوان إنما كان من زاوية نظر الجبهة الداخلية ثمنا مشرفا للدفاع الشرعي عن الوطن المتعرّض لعدوان غاشم ومحركا معنويا لمزيد تقوية هذه الجبهة الداخلية وتوحيدها وهو ما تحقق فعلا على أرض الواقع.
أما في الحالة الصهيوأمريكية فإن العكس هو الذي كان يحصل ويتفاقم بمرور الأيام، فكلّ من كان يسقط من ضحايا أو ما كان يُخسر من مقدّرات إنما كان جرحا عميقا مؤلما ومبررا خصبا لتنامي الغضب الشعبي المتزايد في المجتمعين الصهيوني والأمريكي من إدارة النتن ياهو وترامب وقرارهما المتسرع بالمقامرة بخوض هذه الحرب بدعوى كذبة الخطر النووي الإيراني، وهو غضب بيّنته جيدا على الأقل استطلاعات الرأي الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية والنسب المنتفضة على الشعبوي ترامب وأيضا أرقام تراجع شعبية الدموي النتن في مجتمع دولة الكيان، بما خلق تصدعا بالغا في الحبهة الداخلية في بعدها المعنوي بالنسبة لكليْ دولتي العدوان، على خلاف الجبهة الداخلية لإيران التي كانت تتعزز كل يوم أواصر وحدتها وتتضاءل فيها حتى مسافات الخلاف بين النظام ومعارضيه في ظل العدوان الذي تظافر اليقين على حقيقة أنه لم يكن على النظام الحاكم كما ادعى ترامب والنتن ياهو وإنما على الوطن الإيراني وعلى الأمة الإيرانية برمتها.
أما على الصعيد الثاني لثنائية النزيف والاستنزاف ونعني صعيد الاستنزاف، فإن حظّ إيران كان أيضا أوفر في هذه المعادلة، فالمربّع الذي كانت ايران تخشى من اهتزازه أو تٱكله في ماراطون الاستنزاف هو أساسا مقدراتها العسكرية وترسانتها اللوجستية ولا سيما منصاتها ورصيدها من الصواريخ المتقدمة والمسيرات المتطورة، وهو الأمر الذي كان يراهن عليه ترامب وأوحى بذلك في عديد تصريحاته، إلا أن إيران نجحت في كل مرة في تكذيب كل هذه الأوهام بتٱكل مخزونها من سلاح الصواريخ والمسيرات، وفي كل يوم كان يمضي من الأربعين يوما كنا نرى هجمات إيرانية صاروخية متجددة أكثر فتكا بدولة الكيان وبمدنها زادتها ضراوة حدّة هجمات صواريخ حزب الله من الشمال.
ووقف هذا دليلا على أن الاستنزاف لم يأت أكله رغم مرور الأسابيع إمّا لأن إيران كانت منذ البدء تتحوّز على مخزون عال جدا من المنظومة الصاروخية أو لأنها ربما قد تكون نجحت دون أن ترقبها الأضواء أثناء العدوان، في الحصول على كميات جديدة من الصواريخ سربتها بطريقة ما من أصدقائها في الصين أو روسيا أو من بلد ٱخر. وقد ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أمس أن إيران مازال في رصيد سلاحها الجوي ما لا يقل عن 15 ألف صاروخ و45 ألف مسيّرة بعد دخول وقف اطلاق النار حيز التنفيذ.
وأما في الجانب المقابل الصهيوأمريكي فمن الواضح أن ميزان القوى كان لصالحهما منذ البداية من حيث الكم والكيف لكن الاستنزاف بلا شك أصاب ترسانة الطرفين الصهيوني والأمريكي هي الأخرى ولو بشكل متفاوت، فبِلا شك تضاءل بالتدريج مخزون منصات الصد الصهيوني للصواريخ الإيرانية واللبنانية المتواترة بما ضاعف ضرباتها الموجعة، فيما خسرت الترسانة الأمريكية في المنطقة كثيرا من طاقاتها، وزاد من تشديد الخناق على ترامب وتضييق هامش اختياراته بمرور الوقت صعوبة احرازه أي تأييد داخلي يسمح بضخّ مزيد من النفقات من الخزانة الأمريكية على هذه الحرب المكلفة جدا والتي تسرب الغضب منها ورفض استمرارها حتى إلى بيته الداخلي ونعني الحزب الجمهوري وحتى إلى عمق إدارته وبان ذلك جليا في خلافه هو ووزير حربه مع قائد الجيوش الذي انتهى بإقالته منذ أيام.
*السوق العالمية.. ورقة هرمز.. واختبار ما بعد الحرب الباردة
وهناك بعد ٱخر أيضا لموضوع الاستنزاف غير موضوع الذخيرة والمخزون العسكري لا تشترك فيه إيران مع الولايات المتحدة وهو ما كان يلعب لصالح إيران أساسا طوال الحرب ولصالح عدم اطالة أمد الحرب من طرف ترامب وشكّل عبئا متفاقما عليه حقا وضغط عليه يوما بعد يوم وقلّل كثيرا من رأس المال الزمني لقرار الحرب وربما هذا العبء بالذات هو الذي كان له نصيب الأسد في التعجيل بقرار غلق قوس الحرب في نهاية المطاف، ونعني موضوع السوق العالمية التي لحقها هي أساسا الاستنزاف أكثر من أي طرف ٱخر، بما ضيّق الخناق أكثر على ترامب ومن ورائه النتن ياهو لعدم إطالة أمد العدوان لاسيما بعد نجاح إيران في تمطيط أمد إيلام الاقتصاد العالمي بغلق مضيق هرمز إلا على الأصدقاء المحدودين والاستفادة جيدا من ورقة الاستنزاف الثمينة هذه التي منحتها إياها الجغرافيا.
فغير خافٍ أنّ الاقتصاد الأمريكي هو في قلب الاقتصاد الرأسمالي العالمي وفي طليعته وربما هو قلبه النابض.
والرجُة التي أصابت الأسواق العالمية للنفط والغاز والبورصات وحركة التجارة العالمية جراء هذه الحرب الترمبية النتنة وتفاقم الأزمة أكثر جراء تواتر الأسابيع دون توقفها فضلا عن ورقة غلق مضيق هرمز التي حوّلت الرجة إلى زلزال حقيقي دكّ حصون الاقتصاد الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة وأشعل نار أسعار الوقود أمريكيا وعالميا، إنما كانت كلها عوامل خانقة للاقتصاد العالمي وللاقتصاد الأمريكي الذي في صميمه، بما جعل من الوقود الزمني للحرب يقلّ كثيرا بالتدريج (مع انصراف الطرف الأوروبي عن التحالف مع ترامب والنتن ياهو) رغم بعض تصريحات ترامب الأخيرة التي كان يتظاهر فيها بعدم الاكتراث بأزمة أسعار النفط وبمعضلة غلق مضيق هرمز وتبعاتها.
وذلك على خلاف الحال في الجانب الإيراني، ذلك أنّ الاقتصاد الإيراني كان صامدا في وجه أنواء معركة وطنية مبدئية ولم تكن عليه نفس الأعباء الثقيلة التي كانت فوق تحمُل الاقتصاد الأمريكي،
ليذهب إذن خط سير الأحداث بسبب كل هذا في نهاية المطاف إلى طلب ترامب الإيقاف الفوري لاطلاق النار مكرها والاستنجاد بالتفاوض انطلاقا من الجمعة القادم كخيار يتيم متاح.
وبصرف النظر عن مٱلات المفاوضات القادمة، فإن احتمالية عودة المواجهة في قادم الأشهر تظل ضعيفة للغاية ليس لثقةٍ مثلا في حسن النوايا الصهيوأمريكية في المفاوضات، وإنما استنادا إلى نتيجة المواجهة الأخيرة بين التحالف الصهيوأمريكي وإيران والتي نراها بوضوح الٱن.
فهي مواجهة إنما أخرجت الصراع الصهيوأمريكي/الإيراني من عصر الحرب الباردة وتجربة الجولات السريعة(حرب الإثني عشر يوما) إلى اختبار الحرب المباشرة ذات الأمد الطويل (40 يوما) لأول مرة في تاريخ هذا الصراع، وفي هذا الاختبار انتصرت إيران بالنقاط كما هو واضح تماما.
فليس من عاقل يقول لك إن التحالف الصهيوأمريكي تمكن من احراز أي نجاح من هذه المواجهة المباشرة الحادة والممتدة، بل إنه فشل فعلا وعلى عديد الواجهات في الاختبار الذي خاضه لأول مرة وهذا ما سيجعله بلا شك يفكر ألف مرة قبل إعادة الكرّة في المستقبل، فيما أنّ إيران نزفت كثيرا في هذه الحرب ولكن نجحت في لملمة جراحها وكفّ نزيفها والصمود والعودة من جديد في كل مرة إلى الوقوف بقوة وثبات وإيلام عدوّيْها.
*مشهد ما بعد 8 أفريل: معادلات جديدة وتوازن رعب في الشرق الأوسط وأثر على الشخصية الجماعية
ولذلك فإن مشهد ما بعد 8 أفريل 2026 في تقديرنا لن يكون البتة كما كان عليه قبل 28 فيفري 2026، ليس في إيران فقط ولا بين أسوار دولة الكيان فقط وليس في الولايات المتحدة بل في كل منطقة الشرق الأوسط وفي باقي العالم.
ويمكن لنا استخلاص المتغيرات التالية كتداعيات للحرب ونتائجها:
-ترامب خرج مهزوما مهما حاول تكذيب ذلك وفقد أغلب أوراقه الداخلية وتهاوت شعبيته كثيرا وانخفض جدا منسوب تأييد حزبه الجمهوري له، وهذا أمر ستظهر تداعياته تماما في الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم بلا شك.
كما أن ترامب خرج من الحرب بِخُسرانٍ عديد حلفائه الأوروبيين وأيضا ربّما خسر حبل وده مع بعض القادة الخليجيين بسبب خذلانهم بهذه الحرب الخاسرة.
-النتن ياهو أيضا خرج خاسرا من هذه الحرب ومنسوب الثقة فيه لدى المجتمع الصهيوني في درجات سحيقة، وهذا سيكون له بالغ الأثر على مستقبله السياسي، حتى ولو واصل اطلاق يده الطويلة على المدنيين في لبنان في قريب الأيام للايهام برصيد انتصاري غير حقيقي.
- إيران التي خرجت جريحة من الحرب ومنتصرة استراتيجيا فيها، ازدادت حاجتها الموضوعية بعد العدوان إلى توحيد جبهتها الداخلية التي كان بها شرخ عميق قبل بداية العدوان وستجد نفسها مجبرة على السعي في المستقبل إلى دعم وتنمية هذه الجبهة الداخلية وربما نرى من نظامها خطوات لطيّ أكثر ما يمكن من الصفحات المؤلمة في مجال حقوق الإنسان والحريات وتليِِينا منها للحكم الشمولي الكلياني والانفتاح على أطياف المجتمع الذي يظلّ عمود الجبهة الداخلية للتعبئة العامة في مواجهة أي عدوان محتمل قادم عليها.
وخارجيا تأخذ الحاجة إيران الٱن وأكثر من أي وقت مضى إلى السعي لتقوية علاقتها بأجوار لها لم يناصبوها العداء أثناء الحرب وخاصة من كان لهم أدوار في النور كعمان والباكستان ومن كان لهم حضور في الظلال كتركيا.
مع تقوية صلتها أكثر بداعميها السابقين كالصين وروسيا. - على صعيد منطقة الشرق الأوسط ككل :
-خلفت هذه الحرب الأولى من نوعها في نتائجها تغييرا جذريا في موازين القوى العسكرية وحتى الجيوسياسية، فبعد خروج مصر من حربيها مع دولة الكيان وتطبيعها وبعد هزيمة العراق واحتلاله وتطبيع عديد دول المنطقة، ظلت كفة موازين القوى مرجحة ومائلة بقوة فقط إلى جهة الغرب الشرق أوسطي ناحية دولة الاحتلال بالذات ومن ورائها الحليف الأمريكي وأيضا الأوروبي، كمصدر وحيد في السابق القريب للنفوذ والقوة والسيطرة في المنطقة، لكن من نتائج حرب الأربعين يوما هذه، أنّ هذه المعادلة إنما تغيرت تماما، فقد برز الٱن مكان إيران الذي أصبح وازنا في المنطقة ووُلد استقطاب ثنائي في المنطقة لم يكن قائما وتوزان رعب لأول مرة يتشكل بين نقيضين: إيران من جهة ودولة الكيان المحتل من الجهة المقابلة، فيما بدأ يبتعد عن قطب الرعب الأحادي السابق الطرف الأوروبي.
-من مخلفات الحرب ونتائجها أيضا سقوط مُدوّ لسردية أنّ القواعد الأمريكية المنتصبة منذ عقود في دول الخليج هي لحمايتها، فقد اتضح الٱن تماما أنها إنما انتصبت فقط لحماية دولة المحتل وفقط لبسط الهيمنة الأمريكية على المقدرات النفطية.
وفي ظل ما تلقته بلدان الخليج من ضربات موجعة في حرب لم تخترها ولم تقررها مع صفعة الفاتورة الاقتصادية الباهظة التي دفعتها ومازالت هذه الدول، يبدو واضحا أنّ هذه الدول إنما خرجت بجرح غائر متفاوت الأثر اقتصاديا وسياسيا بعد تبين خطأ بوصلة خياراتها السابقة.
وهذا ما قد يجعل هذه الدول تغير -إن جزئيا أو كليا- من خياراتها وتهرع إلى تحديث خارطة تحالفاتها في المنطقة وخارج المنطقة وربما نرى بعضها يفتح صفحات جديدة مع إيران، وقد نرى في الخليج نموذج عمان 2 وعمان 3، كما قد يعاد ترتيب كل شيء في مؤسسة مجلس التعاون الخليجي، فيما تنفرد دولة الإمارات (وبعدها البحرين) بواقع جديد أكثر خسارة من باقي دول الخليج نظرا لخصوصية امعان الإمارات خاصة على خلاف دول الخليج الأخرى، في شراكة عميقة مع دولة كيان المحتل وارتهانها لها، مما سيعمق من عزلتها أكثر هي والبحرين عن محيطهما من دول الجوار ومن تهميشهما واستبعادهما من معادلات المشهد الجديد. - من متغيرات المشهد الجديد بعد الحرب أيضا استبعاد نظام العسكر المصري إلى منطقة هامش الهامش بعد أن كان يُضرب المثل بالعمق والوزن الاستراتيجي لمصر في المنطقة في عقود خلت.
وفي تقديرنا إن تهاوي مصر إلى هذا الدرك السحيق من منطقة هامش الهامش لم يكن فقط بسبب سنوات التطبيع الطويلة مع الكيان الغاصب، وإنما زاد من وتيرة هذا التهاوي تهميش مصر لنفسها طوال الحرب الأخيرة وابتعادها عن دول الخليج التي كانت داعمة لانقلاب نظام العسكر على الثورة بكميات وافرة من المال للتصدي لما عُرف بسردية نظرية تساقط “الدومينو” زمن ثورات الربيع العربي ، وقد دعمت أغلب دول الخليج أيضا نظام العسكر المصري هذا في السنوات الأخيرة، لكن هذا الأمر من الواضح أنه لن يتواصل مستقبلا وذلك كمتغير من متغيرات المشهد بعد حرب الأربعين يوما. - ليست بعض دول الخليج هي فقط التي قد تسعى لتعديل أوتار علاقاتها الجديدة في المنطقة واحتمالية مزيد تطبيع علاقات بعضها بإيران، بل ربما أيضا نرى اقترابا أكثر بين إيران وتركيا وقد يكون للعربية السعودية باعتبارها الأكثر وزنا في دول الخليج رأي جديد في علاقاتها بإيران، لا أحد يدري.
- على صعيد الوعي الجمعي للشخصية العربية:
سنحتاج إلى دراسات أهل علم الاجتماع وعلم الاجتماع النفسي خاصة لمعرفة الأثر الإيجابي النوعي الذي قد يكون تركه النصر الإيراني الرمزي في معركة الأربعين يوما على الشخصية الجماعية العربية وما سيخلفه من تغير عليها، ونحن لسنا مختصين لنقرأ هذا الأثر على المجتمعات العربية في المستقبل.
لكن على الأقل يحق لنا أن نقول إن الشخصية العربية التي تجرعت ويلات الهزائم والخيبات جيلا وراء جيل بدءً من 1948 مرورا بهزيمة 67 وخيبة اتفاقية كامب دايفيد ومجازر الكيان الصهيوني بصبرا وشاتيلا وجنين وغزة وعديد الربوع الفلسطنية العطرة على مدى عقود الصراع وفي لبنان الجريح فضلا عن احتلال العراق وغيرها من الهزائم، إنما ضربت هذه الشخصية الجماعية لأول مرة في تاريخ الصراع مع الكيان الغاصب وحلفائه الموعد مع درب للنصر ولو أنه لم يأت من طرف عربي أساسا (مع مساهمة حزب الله فيه) .
وهذا قد يفتح الباب كبيرا أمام الأمل في أن تقوم هذه الشخصية الجماعية بتفكيك كل المعالم السوداء القائمة منذ عقود في ذاكرتها وأن تحاول هذه الشخصية العربية إعادة بناء أسس لها بملامح أصح وأمتن وقادرة على ترميم واستعادة الثقة في النصر.
وفي الختام والمحصلة، لا شك أننا في مطلق الأحوال دخلنا عهدا جديدا في المنطقة، وهناك شرق أوسط جديد بصدد التشكل، لكن ليس على مقاس دولة الكيان ولا حليفها الأمريكي.
وإنّ لوحة ما بعد 8 أفريل 2026 لن تكون بتاتا كلوحة ما قبل 28 فيفري 2026.
وهناك حسابات عديدة للامبريالية الصهيوأمريكية تحطمت تماما على جدران الصمود والملحمة الإيرانية على مدى 40 يوم بلياليها.
وأيضا هناك عديد المعادلات التي كانت في السابق من ثوابت المنطقة، قد ذهبت تماما مع الماضي..

