لا يبدو التلويح الأمريكي بالانسحاب من الأمم المتحدة حدثًا إداريًا عابرًا، بل علامة سياسية على لحظة أعمق يعيشها النظام الدولي. فالمؤسسات التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، صُممت لعالم كانت فيه موازين القوة واضحة، والهيمنة الأمريكية مريحة، والشرعية الدولية تُدار من موقع المنتصر لا المُجادَل.
اليوم تغيّر المشهد. لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على فرض إيقاعه، ولا باتت الأمم المتحدة ساحة مضمونة لتمرير الرؤى الأمريكية. ومع صعود قوى منافسة، وتحوّل المنظمة إلى منبر مساءلة أخلاقية أكثر منها أداة تنفيذ، بدأ داخل الولايات المتحدة نقاش صريح: هل ما زال النظام القائم يخدم القوة، أم يقيّدها؟
اللافت أن هذا التوجه لا يعني انسحابًا من العالم، بل إعادة تموضع داخله. فواشنطن لا تغادر الساحة الدولية، لكنها تفضّل تحالفات مرنة على مؤسسات ثقيلة، وقواعد تُكتب بالقوة لا بالتوافق، ونظامًا أقل التزامًا وأكثر قابلية للضغط. إنها لا تهدم النظام العالمي بقدر ما تختبر حدود تفكيكه وإعادة تركيبه.
في هذا السياق، تبدو الأمم المتحدة عبئًا أكثر منها أداة، لأنها تعكس ميزان قوى قديمًا، وتمنح صوتًا لدول لا تملك القوة لكنها تملك الأغلبية. وهذا ما لا يناسب مرحلة الصراع المفتوح، حيث تُدار السياسة بمنطق الردع لا الشرعية.
أما انعكاس ذلك على العالم العربي والشرق الأوسط، فليس تفصيلاً. فضعف المرجعية الدولية يعني تراجع فرص الحلول السياسية، وتكريس منطق القوة، وترك المنطقة مكشوفة أمام صراعات تُدار بالوكالة. ورغم كل خيبات العرب مع الأمم المتحدة، فإن غيابها أو تهميشها لا يعدهم بعدالة أكبر، بل غالبًا بقسوة أشد.
في الخلاصة، ما نشهده اليوم ليس انسحابًا من منظمة، بل ارتباك قوة كبرى أمام عالم يتغير أسرع مما تريد. والشرق الأوسط، كالعادة، ليس صانع هذا التحول، لكنه أحد ميادينه المفتوحة.
أما السؤال الأهم، فيبقى معلقًا: هل يُكتب النظام العالمي الجديد على طاولة تفاوض…أم يُملى من دخان الحروب القادمة؟
التاريخ وحده سيجيب، لكنه نادرًا ما يكون رحيمًا بالمنطقة التي تقف دائمًا في منتصف العاصفة.

