كل صيف تتجدد معاناة تونس مع حرائق الغابات، لكن موسم الحرائق هذه السنة بدا أكثر خطورة واتساعًا، خاصة في ولايات الشمال الغربي والشمال، على غرار جندوبة وباجة وبنزرت والكاف وسليانة، إلى جانب مناطق أخرى.
لم تعد الحرائق ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت خطرًا حقيقيًا يهدد الثروة الغابية والبيئة وممتلكات المواطنين، فضلًا عن تهديدها للتجمعات السكنية والمناطق الريفية. والأسوأ أن جزءًا كبيرًا من هذه الخسائر كان يمكن الحد منه لو توفرت منظومة أكثر نجاعة للوقاية والتدخل السريع.
ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة الحرائق لا يجب أن تبدأ عند اندلاع النيران، وإنما قبل ذلك بأشهر، عبر خطط استباقية واضحة وميدانية.
أول الإجراءات المطلوبة يتمثل في منع إلقاء الفضلات البلدية والعشوائية داخل المناطق الجبلية والغابية، باعتبار أن تراكم الفضلات والمواد القابلة للاشتعال يمكن أن يحول الجبال إلى بؤر خطيرة عند ارتفاع درجات الحرارة.
كما يجب العمل على تقسيم الغابات والجبال إلى مناطق وقطاعات واضحة، بما يسمح بتحديد أماكن التدخل وتسهيل عمليات المراقبة والوصول إلى مناطق الحرائق في أسرع وقت ممكن.
أما النقطة الثانية فتتمثل في تكثيف الرقابة داخل المناطق الغابية والجبلية خلال كامل فترة الصيف، مع اعتماد دوريات ميدانية مشتركة بين مصالح الغابات والحماية المدنية والجهات الأمنية، خاصة في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر اندلاع الحرائق.
ومن الضروري كذلك التشديد على منع إشعال النار داخل الغابات والمناطق الجبلية، مهما كانت صفة الشخص أو مبرراته، وخاصة لغرض شوي اللحوم أو إعداد الطعام خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة وخطر الحرائق. فشرارة صغيرة قد تتحول خلال دقائق إلى كارثة يصعب السيطرة عليها.
وفي المقابل، فإن وجود فرق وآليات للحماية المدنية قريبة من المناطق الغابية طيلة أشهر الصيف يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا في سرعة التدخل. فالدقائق الأولى في مواجهة الحريق تكون حاسمة، وكلما كان التدخل أسرع، ارتفعت فرص السيطرة على النيران قبل انتشارها على مساحات واسعة.
كما يجب تعزيز التنسيق بين الحماية المدنية ومصالح الغابات، ووضع خرائط دقيقة للمناطق الأكثر عرضة للخطر، وتوفير مسالك صالحة للمرور ومراقبة مصادر المياه وتجهيز نقاط تدخل قريبة من الغابات.
المطلوب اليوم ليس فقط إطفاء الحرائق، وإنما تغيير طريقة التعامل معها من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية والاستباق.
إن حماية الغابات مسؤولية وطنية، والثروة الغابية ليست ملكًا لجيل واحد، بل هي ثروة للأجيال القادمة. لذلك فإن احترام القانون والتبليغ عن كل تصرف مشبوه، وردع كل من يتعمد إشعال النار أو يخالف قواعد السلامة، يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الغابات.
تونس تحتاج إلى خطة وطنية دائمة للوقاية من حرائق الغابات، تبدأ قبل الصيف وتستمر خلاله، وتجمع بين الرقابة، والتجهيز، والتوعية، وسرعة التدخل، وتطبيق القانون.
ففي مواجهة الحرائق، كل دقيقة تأخير قد تعني خسارة آلاف الأشجار، وكل إجراء وقائي قد ينقذ غابة كاملة.
معز الغريبي

