يثير قانون إعادة تنظيم المنافسة والأسعار في تونس، وخاصة ما يتعلق بمكافحة الاحتكار والمضاربة وتخزين المنتجات، جدلاً متجدداً في الأوساط الاقتصادية والفلاحية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتجات فلاحية موسمية تحتاج بطبيعتها إلى التخزين للحفاظ على قيمتها وتسويقها على مراحل.
القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرخ في 15 سبتمبر 2015 جاء أساساً لضمان حرية المنافسة، وشفافية الأسعار، ومقاومة الممارسات الاحتكارية والزيادات غير القانونية، وحماية التوازن العام للسوق ورفاه المستهلك.
لكن السؤال المطروح اليوم هو: هل أصبحت بعض آليات تطبيق هذا القانون تحتاج إلى مراجعة حتى لا تتحول مكافحة الاحتكار إلى عائق أمام النشاط الفلاحي المشروع؟
التخزين ليس دائماً احتكاراً
في القطاع الفلاحي، التخزين يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من الدورة الاقتصادية. فالفلاح قد ينتج كميات كبيرة من التفاح أو غيره من المنتجات الموسمية، ولا يستطيع بيع كامل محصوله في فترة قصيرة دون أن تنهار الأسعار.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين التخزين بهدف المحافظة على المنتوج وتسويقه تدريجياً، وبين تخزين السلع بهدف خلق الندرة ورفع الأسعار بشكل مصطنع.
وهذا التمييز ضروري حتى لا يجد الفلاح نفسه في وضعية قانونية صعبة لمجرد أنه حاول حماية محصوله من التلف أو انتظار فترة تسويق أفضل.
القانون نفسه يتضمن أحكاماً تجرّم، في ظروف معينة، حيازة مخزونات بقصد المضاربة والتأثير المصطنع في مستوى الأسعار، كما يتناول إخفاء السلع وعدم تزويد السوق بها.
من يحمي الفلاح عندما ينهار السعر؟
المفارقة أن الفلاح قد يواجه خسارتين: الأولى عندما يبيع محصوله بأسعار متدنية في ذروة الإنتاج، والثانية عندما يتلف جزء من المحصول بسبب عدم توفر إمكانيات التخزين أو صعوبة تسويقه.
فهل من المعقول أن نطالب الفلاح ببيع محصوله فوراً خوفاً من اعتبار التخزين مضاربة، في الوقت الذي تحتاج فيه السوق إلى تنظيم العرض على مدار السنة؟
المطلوب ليس إلغاء قانون مكافحة الاحتكار، بل تطويره وتوضيح تطبيقه بما يراعي خصوصية المنتجات الفلاحية الموسمية.
نحو قانون يفرّق بين المضارب والفلاح
قد يكون الحل في وضع آليات واضحة تسمح للفلاحين والهياكل المهنية والتعاونيات ومخازن التبريد المعتمدة بتخزين المنتجات الفلاحية الموسمية وفق شروط محددة، مع التصريح بالكميات ومصدرها ومدة التخزين.
وفي المقابل، يجب أن تكون الرقابة أكثر صرامة تجاه من يقوم بتخزين كميات كبيرة بهدف افتعال الندرة والتحكم في السوق ورفع الأسعار على حساب المستهلك.
بهذه الطريقة يمكن تحقيق المعادلة الصعبة: حماية المستهلك من الاحتكار، وحماية الفلاح من انهيار الأسعار في موسم الإنتاج.
هل حان وقت مراجعة القانون؟
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على صدور القانون عدد 36 لسنة 2015، يبدو من المشروع فتح نقاش وطني حول مدى ملاءمة بعض أحكامه وآليات تطبيقه للتحولات التي عرفها الاقتصاد التونسي، وخاصة القطاع الفلاحي.
المطلوب اليوم ليس حماية المضاربين، وإنما حماية الفلاح المنتج الذي يتحمل كلفة الأرض والمياه والأسمدة واليد العاملة والطاقة، ثم يجد نفسه أحياناً مضطراً إلى بيع محصوله بأقل من كلفة الإنتاج.
إن مراجعة القانون، إن ثبت أن بعض أحكامه أو طرق تطبيقه تضر بالنشاط الفلاحي المشروع، يجب أن تكون مراجعة مدروسة تشارك فيها وزارات التجارة والفلاحة والمهنيون والخبراء والمنظمات المهنية.
فمكافحة الاحتكار يجب أن تحمي السوق، لكن حماية السوق لا يجب أن تكون على حساب المنتج.
ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة من الجهات المعنية: هل توجد نية لمراجعة قانون المنافسة والأسعار، وخاصة الأحكام المتعلقة بتخزين المنتجات الفلاحية الموسمية، حتى يكون القانون أكثر توازناً بين حماية المستهلك وتشجيع الفلاح على الإنتاج والاستثمار؟
معز الغريبي

