يُعدّ زيت الزيتون أحد أهم أعمدة الاقتصاد التونسي، ليس فقط باعتباره منتوجًا فلاحيًا عريقًا، بل أيضًا كمصدر مهم للعملة الصعبة وعنوان من عناوين تونس في الأسواق العالمية. وتؤكد المعطيات الرسمية أن عائدات صادرات زيت الزيتون التونسي بلغت خلال الأشهر السبعة الأولى من موسم 2025-2026 نحو 4.058 مليار دينار، بزيادة تقارب 44.9% مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق.
لكن المفارقة اليوم أن بعض المؤسسات والمعاصر والشركات التونسية الكبرى الناشطة في إنتاج وتحويل وتصدير زيت الزيتون تواجه أوضاعًا مالية صعبة تهدد استمراريتها، بل قد تدفع بعضها إلى الغلق والإفلاس، رغم أن جزءًا منها راكم خبرة طويلة ونجح في بناء أسواق خارجية وسمعة طيبة لزيت الزيتون التونسي.
الأخطر من الأزمة المالية هو أن مجرد الاتهام أو فتح ملف قضائي لا يجب أن يتحول إلى حكم مسبق بالإدانة. فالقضاء وحده هو المخول قانونًا لتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام. وفي المقابل، فإن التشهير بالمؤسسات أو تداول الاتهامات قبل صدور أحكام نهائية يمكن أن يضر بسمعتها وبثقة الحرفاء والمستوردين في الخارج، ويحوّل أزمة قضائية إلى أزمة اقتصادية تهدد المؤسسة والعمال والفلاحين والشركاء الماليين.
وتونس لا تستطيع أن تتعامل مع هذه المسألة باستخفاف، خصوصًا أن الولايات المتحدة وكندا وغيرهما من الأسواق الخارجية تستقبل كميات مهمة من زيت الزيتون التونسي. ففي سنة 2024 بلغت قيمة صادرات تونس من زيت الزيتون البكر نحو 1.456 مليار دولار، منها أكثر من 321 مليون دولار نحو الولايات المتحدة ونحو 122 مليون دولار نحو كندا.
كما أن زيت الزيتون التونسي يواصل تحقيق حضور لافت في المسابقات الدولية، حيث تحصلت عدة علامات تونسية في دورة 2026 من مسابقة قرطاج الدولية لزيت الزيتون على ميداليات ذهبية ومزدوجة الذهب، بما يعكس قدرة تونس على إنتاج زيوت ذات جودة عالية تنافس عالميًا.
فهل من المعقول أن نخسر مؤسسات ناجحة وأسواقًا خارجية وعملة صعبة بسبب غياب آليات الإنقاذ والمرافقة؟
المطلوب اليوم ليس حماية أي مؤسسة من المساءلة القانونية، ولا التدخل في عمل القضاء، وإنما حماية المؤسسة الاقتصادية السليمة من الانهيار قبل صدور الأحكام النهائية، متى ثبت أن نشاطها التجاري قائم وأنها توفر مواطن شغل وتتعامل مع فلاحين وحرفاء في الداخل والخارج.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة، وخاصة وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بالتنسيق مع وزارة التجارة والبنوك والهياكل المعنية، لإيجاد حلول قانونية وواقعية للمؤسسات التي تمر بصعوبات ظرفية، مع احترام كامل لاستقلال القضاء.
وقد يكون من الضروري وضع آلية عاجلة لدراسة ملفات الشركات المهددة بالغلق، وتمكين المؤسسات القابلة للإنقاذ من إعادة جدولة ديونها، ومساعدتها على المحافظة على أسواقها الخارجية، وضمان استمرار عمليات التصدير، مع إخضاع كل ملف للرقابة والتدقيق اللازمين.
فالدولة مطالبة بمحاربة الفساد والتجاوزات بكل صرامة، ولكنها مطالبة أيضًا بحماية الاقتصاد الوطني من الانهيار غير المبرر.
إن إفلاس شركة تونسية ناجحة لا يعني خسارة صاحبها فقط، بل قد يعني خسارة عشرات أو مئات مواطن الشغل، والإضرار بالفلاحين الذين يبيعون إنتاجهم، وفقدان حرفاء أجانب، وتراجع الثقة في العلامة التونسية، والأخطر من ذلك خسارة موارد من العملة الصعبة.
لذلك، فإن إنقاذ المؤسسات القابلة للإنقاذ لا يجب أن يُفهم على أنه امتياز أو إفلات من المحاسبة، بل يمكن أن يكون قرارًا اقتصاديًا وطنيًا مسؤولًا، شريطة أن يتم في إطار القانون والشفافية والرقابة.
تونس تمتلك ثروة هائلة اسمها زيت الزيتون، ونجاح موسم التصدير الحالي يؤكد أن القطاع قادر على تحقيق أرقام كبيرة؛ فقد ارتفعت عائدات صادرات زيت الزيتون خلال الأشهر الستة الأولى من الموسم بنسبة 49.2% لتصل إلى نحو 3.644 مليار دينار.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم هو:
هل ستتدخل الدولة في الوقت المناسب لإنقاذ المؤسسات والمعاصر التونسية القادرة على مواصلة الإنتاج والتصدير، أم سننتظر حتى تغلق أبوابها وتضيع أسواقها ومواردها البشرية والمالية؟
الوقت لا يسمح بالانتظار. المطلوب تشخيص الملفات، تطبيق القانون، حماية حقوق الدولة، وفي الوقت نفسه إنقاذ كل مؤسسة قابلة للإنقاذ.
فزيت الزيتون ليس مجرد منتوج فلاحي… إنه ثروة وطنية، وعملة صعبة، وسمعة تونس في العالم. وحماية هذه الثروة مسؤولية الدولة والقطاع الخاص والقضاء وكل المتدخلين.
معز الغريبي

