تحدثنا في عديد المقالات عن زيت الزيتون التونسي، وعن الثروة التي تمثلها هذه المادة الاستراتيجية، وعن ضرورة الانتقال من مجرد تصدير الزيت إلى تصدير منتج تونسي يحمل اسم تونس وعلامتها وقيمتها الحقيقية.
واليوم تعود شبكة CNN لتسلّط الضوء على زيت الزيتون التونسي، وعلى المفارقة التي طالما أثارت الجدل: منتج تونسي حاضر بقوة في الأسواق العالمية، في وقت لا تزال نسبة كبيرة منه تغادر تونس في شكل سائب، لتتم عملية التعليب والتسويق تحت علامات تجارية أخرى.
وهنا يطرح السؤال نفسه من جديد:
كيف يمكن لتونس أن تكون من كبار منتجي ومصدري زيت الزيتون، بينما لا يزال اسمها غائباً عن جزء مهم من القوارير التي تصل إلى المستهلك العالمي؟
زيت تونسي… والاسم ليس تونس
القضية ليست في جودة الزيت التونسي، ولا في قدرة الفلاح التونسي على الإنتاج.
القضية في القيمة المضافة.
فعندما يتم تصدير الزيت في شكل سائب، فإن تونس تحقق عائدات من التصدير، لكن مراحل أخرى ذات قيمة اقتصادية عالية يمكن أن تتم خارج البلاد: التعليب، بناء العلامة التجارية، التسويق، التوزيع والوصول إلى المستهلك النهائي.
وهنا تكمن المفارقة.
تونس تنتج الزيت، وغيرُها قد يملك القارورة والعلامة التجارية والسوق.
وهذا لا يعني بالضرورة أن كل زيت تونسي يعاد تعليبه في الخارج يتم تقديمه على أنه من إنتاج دولة أخرى؛ فالأمر يخضع لقواعد المنشأ والوسم والقوانين المعمول بها في كل سوق. لكن المشكلة الاقتصادية الواضحة هي أن غياب العلامة التونسية عن جزء كبير من الصادرات يحرم تونس ومؤسساتها من جزء مهم من القيمة المضافة.
من الذهب الأخضر إلى علامة عالمية
زيت الزيتون ليس مجرد منتج فلاحي.
إنه ثروة وطنية يمكن أن تكون سفيراً لتونس في الأسواق العالمية.
فالقارورة التي تحمل علامة تونسية لا تبيع الزيت فقط، بل تبيع معها صورة تونس وجودة منتجاتها وخبرة فلاحيها وهوية مناطقها.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي يجب ألا يكون فقط على زيادة كميات التصدير، وإنما على رفع قيمة كل كيلوغرام أو لتر يتم تصديره.
والمعادلة واضحة:
زيت سائب = قيمة مضافة محدودة داخل تونس.
أما:
زيت تونسي معبأ + علامة تونسية + تسويق عالمي = قيمة مضافة أكبر + شركات أقوى + مواطن شغل أكثر + عائدات أعلى.
لماذا لا تكون تونس صاحبة العلامة؟
السؤال اليوم يجب أن يوجَّه بكل وضوح إلى الجهات المعنية:
لماذا لا تصبح العلامات التونسية الكبرى حاضرة في أكبر المتاجر العالمية؟
لماذا لا نرى زيت الزيتون التونسي المعلّب بعلامات تونسية في باريس ولندن ونيويورك وطوكيو ودبي وغيرها من الأسواق الكبرى؟
ولماذا لا يصبح المستهلك العالمي قادراً على الدخول إلى متجر وطلب زيت زيتون تونسي كما يطلب منتجات مرتبطة بعلامات وبلدان أخرى؟
المسألة تحتاج إلى استراتيجية وطنية، لا إلى مبادرات متفرقة.
الدولة مطالبة بالتحرك
المطلوب من وزارتي الفلاحة والتجارة والهياكل المختصة بالتصدير والاستثمار هو وضع سياسة واضحة لدعم الشركات التونسية التي تريد الدخول بقوة إلى سوق التعليب والتسويق العالمي.
وهذا الدعم يجب أن يشمل التمويل، والتسهيلات البنكية، والتأمين على الصادرات، والمشاركة في المعارض الدولية، والترويج للعلامات التونسية، وتسهيل النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
كما يجب مساعدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة على بناء علامات تجارية قادرة على المنافسة، لأن الشركة التونسية لا يمكن أن تنافس بسهولة شركات عالمية تمتلك إمكانيات ضخمة في التسويق والتوزيع.
إنقاذ الموسم لا يكون بالتصدير فقط
الموسم الفلاحي لا ينتظر.
والفلاح يريد بيع إنتاجه، والمؤسسة تريد توفير السيولة، والدولة تريد المحافظة على عائدات التصدير.
لذلك فإن المطلوب هو التفكير في خطة استعجالية تجمع بين حماية الفلاح ودعم المؤسسة التونسية ورفع القيمة المضافة.
ومن بين الحلول الممكنة دعم شراء الزيت وتخزينه لفترات مناسبة، وتوفير تمويل للمؤسسات التي تتجه إلى التعليب والتصدير، مع تشجيعها على فتح أسواق جديدة وبناء علامات تونسية قادرة على الاستمرار.
تونس لا ينقصها الزيت… بل ينقصها التسويق العالمي
لقد أثبتت تونس أنها قادرة على إنتاج زيت الزيتون بكميات كبيرة وبجودة تنافس عالمياً.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مختلفة.
لا يكفي أن ننتج الذهب الأخضر، بل يجب أن نعرف كيف نسوّقه ونضع عليه اسم تونس.
لا يكفي أن نكون من كبار المصدرين، بل يجب أن نكون حاضرين في الأسواق العالمية بعلامات تونسية قوية.
ولا يكفي أن يعرف العالم أن تونس تنتج زيت الزيتون، بل يجب أن يصل المستهلك إلى مرحلة يقول فيها:
أريد زيت الزيتون التونسي.
وهنا تتحول شجرة الزيتون من مجرد ثروة فلاحية إلى قوة اقتصادية وتصديرية وعلامة وطنية عالمية.
القرار اليوم… قبل أن تضيع الفرصة
الفرصة أمام تونس كبيرة، لكن المنافسة العالمية لا تنتظر.
هناك دول وشركات تعرف جيداً كيف تستغل الأسواق، وكيف تحول المنتج الفلاحي إلى علامة تجارية ذات قيمة عالية.
وتونس تملك المادة الأولية، والخبرة، والجودة، والتاريخ، والأسواق.
ما تحتاجه هو قرار واضح وإرادة اقتصادية للانتقال من تصدير الزيت إلى تصدير العلامة التونسية.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً اليوم ليس فقط:
كم من زيت الزيتون صدّرت تونس؟
بل:
كم من القيمة المضافة بقيت في تونس؟ وكم من قارورة في العالم تحمل اسم تونس؟
لقد حان الوقت لكي لا يكون زيت الزيتون التونسي مجرد زيت يغزو العالم…
بل أن يكون اسم تونس نفسه حاضراً على رفوف العالم.
زيت الزيتون تونسي… والجودة تونسية… فلماذا لا تكون العلامة تونسية أيضاً؟
معز الغريبي

