في زمن أصبحت فيه البرامج الثقافية الجادة نادرة على الشاشات العربية، يبرز برنامج “مسرح المدينة” على التلفزة التونسية عبر القناة الوطنية الأولى كواحد من الأعمال الفنية والثقافية التي نجحت في إعادة الاعتبار للمسرح التونسي وللإبداع الراقي.
البرنامج الذي يحمل توقيع الفنان حمادي الوهايبي إعدادًا وتقديمًا، جاء بأسلوب مختلف جمع بين العمق الثقافي وروح الفرجة الفنية، حيث استطاع أن يقدّم للمشاهد مادة ثرية تلامس قضايا الفن والمسرح بأسلوب سلس ومشوّق، مع حضور إعلامي متميز يعكس خبرة كبيرة وشغفًا حقيقيًا بالمجال الثقافي.
وقد تميّز “مسرح المدينة” بقدرته على فتح المجال أمام الكلمة الهادفة والصورة الجميلة، بعيدًا عن الابتذال أو السطحية، ليصبح فضاءً فنيًا يلتقي فيه الفكر بالإبداع فوق الركح وأمام عدسات الكاميرا.
أما الإخراج الذي حمل إمضاء المبدع نجيب مناصرية، فقد كان أحد أبرز نقاط قوة البرنامج، حيث أظهر احترافية عالية في إدارة الصورة والإضاءة وحركة الكاميرا، مع رؤية بصرية جعلت كل مشهد يبدو وكأنه لوحة فنية متكاملة. وقد وصف عدد من المتابعين الإخراج بـ”الخرافي”، لما تضمنه من دقة جمالية وإيقاع متوازن نقل المشاهد إلى أجواء مسرحية استثنائية.
النجاح الذي حققه البرنامج يؤكد أنّ الجمهور التونسي مازال متعطشًا للأعمال الثقافية الراقية، وأنّ الشاشة الوطنية قادرة على لعب دور مهم في دعم الفن الحقيقي عندما تتوفر الإرادة والرؤية الفنية الواضحة.
ويُحسب لـ”مسرح المدينة” أنّه لم يكن مجرد برنامج عابر، بل مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى إعادة ربط المشاهد بالمسرح والفكر والفن الجميل، في رسالة تؤكد أنّ الثقافة تبقى دائمًا أحد أهم أسلحة الوعي والتنوير.
معز الغريبي

