منذ أسابيع، أصبح انقطاع الكهرباء جزءًا من الحديث اليومي للتونسيين. في البيوت، في المقاهي، وفي المصانع، يتكرر السؤال نفسه: إلى متى؟ لكن السؤال الأهم ليس متى ستعود الكهرباء، بل كيف وصلت تونس إلى هذه المرحلة؟
الحقيقة أن أزمة الطاقة في تونس لم تبدأ هذا الصيف. ما نعيشه اليوم هو نتيجة سنوات طويلة من تأجيل الإصلاحات، وارتفاع الاستهلاك، وضعف الاستثمار في إنتاج الكهرباء. فعدد السكان ازداد، وعدد المكيفات تضاعف، والاقتصاد يحتاج إلى طاقة أكثر من أي وقت مضى، بينما بقيت قدرات الإنتاج تنمو ببطء.
لقد دخل العالم عصرًا جديدًا، يمكن أن نسميه “عصر السيادة الطاقية”. فالدول التي تمتلك الطاقة تمتلك الصناعة والاستثمار وفرص العمل، أما الدول التي تعاني من العجز الطاقي، فإنها تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية.
في تونس، لا نحتاج إلى معجزة لتجاوز الأزمة، بل إلى رؤية واضحة وشجاعة في اتخاذ القرار.
أولًا، يجب اعتبار ملف الطاقة ملفًا سياديًا، تمامًا مثل الأمن القومي. لا يمكن لدولة تطمح إلى جذب المستثمرين وإنشاء مناطق صناعية حديثة أن تعيش تحت تهديد انقطاع الكهرباء. المستثمر لا يسأل فقط عن الضرائب، بل يسأل أيضًا: هل ستصل الكهرباء إلى مصنعي كل يوم؟
ثانيًا، يجب إطلاق برنامج وطني للطاقة الشمسية. تونس من أكثر البلدان التي تتمتع بساعات سطوع شمسي مرتفعة، ومع ذلك ما تزال مساهمة الطاقة الشمسية محدودة مقارنة بالإمكانيات المتاحة. تخيل لو تم تجهيز مليون منزل تونسي بألواح شمسية خلال السنوات العشر القادمة، كم ستنخفض فاتورة الدولة؟ وكم ستخف الضغوط على الشبكة الوطنية؟
ثالثًا، لا بد من تحديث البنية التحتية الكهربائية. فبعض الشبكات ومحطات التحويل تحتاج إلى تجديد وصيانة وتوسعة. فالطاقة لا تتعلق فقط بالإنتاج، بل أيضًا بقدرة الدولة على نقل الكهرباء وتوزيعها بكفاءة.
رابعًا، يجب تشجيع الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة. الدولة لا تستطيع أن تتحمل وحدها كل الأعباء المالية. يمكن فتح المجال أمام الشركات المحلية والأجنبية لإنشاء محطات إنتاج كهرباء وفق ضوابط تحفظ المصلحة الوطنية. فالعالم اليوم يقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
خامسًا، علينا التفكير في المستقبل، لا في الصيف القادم فقط. العالم يتحدث اليوم عن تخزين الطاقة، والبطاريات الضخمة، والشبكات الذكية التي توزع الكهرباء حسب الحاجة. وإذا لم تبدأ تونس من الآن في الاستثمار في هذه التقنيات، فإنها ستجد نفسها بعد عشر سنوات أمام الأزمة نفسها، ولكن بأرقام أكبر.
كما أن هناك جانبًا ثقافيًا لا يجب تجاهله. فترشيد استهلاك الطاقة أصبح ضرورة. عندما تعمل آلاف أجهزة التكييف في الوقت نفسه، فإن الضغط على الشبكة يصبح هائلًا. لذلك، يجب أن تتحول ثقافة الاقتصاد في الطاقة إلى جزء من حياتنا اليومية، دون أن يتحمل المواطن وحده مسؤولية أزمة تراكمت عبر سنوات.
إن أزمة الكهرباء كشفت حقيقة بسيطة ،لا توجد دولة قوية دون طاقة قوية. فالطاقة ليست مجرد أسلاك وأعمدة ومحطات إنتاج، بل هي أساس الاقتصاد الحديث. كل مصنع يحتاجها، وكل مستشفى يعتمد عليها، وكل مشروع ناشئ لا يمكن أن ينمو دونها.
قد تبدو الأزمة الحالية مؤلمة، لكنها قد تكون أيضًا فرصة تاريخية. فبعض الدول لم تبدأ إصلاحاتها الكبرى إلا بعد الأزمات. وربما يكون صيف 2026 هو اللحظة التي ستدفع تونس إلى إعادة التفكير في مستقبلها الطاقي.
بعد عشر سنوات، لن يتذكر الناس عدد ساعات انقطاع الكهرباء، بل سيتذكرون ما إذا كانت هذه الأزمة كانت بداية الانهيار، أم بداية النهضة.
واليوم، تقف تونس أمام خيارين لا ثالث لهما ،إما إدارة الأزمات عامًا بعد عام، أو بناء مشروع وطني يجعل من الطاقة ركيزة للتنمية والسيادة الاقتصادية.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم: الأمم لا تُبنى فقط بالخطابات والشعارات، بل تُبنى عندما تضيء الأنوار في كل بيت، وتدور الآلات في كل مصنع، ويشعر المواطن أن المستقبل أكثر إشراقًا من الحاضر.

