أعلنت الجهات المعنية عن برمجة جلسة تفاوضية اليوم للنظر في المطالب المهنية لسائقي شاحنات نقل المحروقات، في خطوة تهدف إلى احتواء الأزمة وإعادة حركة توزيع المحروقات إلى نسقها الطبيعي.
غير أن هذه الخطوة تطرح جملة من التساؤلات في الشارع التونسي، خاصة في ظل ما رافق الإضراب الأخير من اضطراب في التزويد بالمحروقات، وما خلّفه من طوابير طويلة أمام محطات الوقود وحالة من الهلع لدى المواطنين وأصحاب المؤسسات والمهنيين.
فهل يكون التفاوض هو الخطوة الأولى، أم أن المطلوب قبل ذلك تحديد المسؤوليات ومساءلة من اتخذ قرار الإضراب المفاجئ، خصوصًا إذا ثبت قانونيًا أن الإضراب لم يستوفِ الإجراءات والشروط المنظمة للحق النقابي والإضراب؟
الشارع التونسي لا يعترض على حق العمال في المطالبة بتحسين ظروفهم المهنية والدفاع عن مصالحهم، لكنه في المقابل يتساءل عن مدى مشروعية تعطيل مرفق حيوي يمسّ حياة المواطنين والاقتصاد الوطني، وعن المسؤولية المترتبة عن إرباك سوق المحروقات وتعطيل قطاعات النقل والإنتاج والخدمات.
ومن هذا المنطلق، فإن فتح باب التفاوض لا ينبغي أن يعني إغلاق ملف المسؤوليات. فالحوار الاجتماعي يبقى ضروريًا لإيجاد الحلول، لكن احترام القانون يجب أن يكون فوق الجميع، نقابات وأعرافًا ومؤسسات وسلطة.
كما أن الدعوة إلى إحالة من يثبت تورطه في تنظيم أو تنفيذ إضراب غير قانوني على النيابة العمومية يجب أن تتم، إن وُجدت مخالفات، وفق الإجراءات القانونية وبناءً على نتائج التحقيق والأدلة، لا على أساس الاتهامات أو التصريحات.
المطلوب اليوم هو معادلة واضحة: التفاوض لحل المطالب المهنية، والتحقيق لتحديد المسؤوليات، وتطبيق القانون على كل من تثبت مخالفته، دون انتقائية أو استثناء.
فتونس لا تحتمل أن تتحول الملفات الاجتماعية إلى أزمات وطنية تشلّ قطاعات حيوية، كما أن حماية الاقتصاد والمواطن لا تعني إلغاء الحوار الاجتماعي. المطلوب هو دولة قوية في تطبيق القانون، وعادلة في الاستماع إلى المطالب، وقادرة على منع تكرار مثل هذه الأزمات.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الشارع التونسي إجابة واضحة عنه: من يتحمل مسؤولية الإضراب المفاجئ وما ترتب عنه من تداعيات؟ وهل ستكشف التحقيقات الحقيقة، أم سينتهي الملف بمجرد جلسة تفاوضية؟
معز الغريبي

