لم تعد أزمة المياه المعلبة في تونس مجرّد اضطراب عابر في التزويد أو اختلاف في الأسعار، بل أصبحت مسألة تستوجب الوقوف عندها بكل جدية، خاصة بعد القرارات الأخيرة المتعلقة بضبط هوامش الربح. فالمواطن اليوم يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام مشهد غير مفهوم: يبحث عن قارورة ماء في محل للعطارة أو كشك أو مغازة، فيُفاجأ بالإجابة نفسها: “الماء غير موجود”.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين الدولة؟ ومن المسؤول عن هذه الوضعية؟
من غير المعقول أن يصبح المواطن عاجزًا عن العثور على منتوج أساسي مثل المياه المعلبة، في بلد يملك قطاعًا مهمًا لإنتاج المياه المعدنية والمعلبة، وفي وقت يُفترض فيه أن تكون أجهزة الدولة قادرة على ضمان انتظام التزويد ومراقبة مسالك التوزيع والأسعار.
والأخطر من ذلك أن هذه الأزمة لا تأتي في فراغ، فقد سبق أن عاشت تونس أزمات متتالية في مواد أساسية، على غرار الخبز والحليب والسكر، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب تكرار هذه الأزمات، وحول حقيقة ما يجري داخل مسالك الإنتاج والتوزيع والتزويد.
هل هناك اختلالات في منظومة التوزيع؟ هل توجد ممارسات احتكارية أو مضاربات؟ هل هناك من يتعمد إخفاء السلع أو تعطيل وصولها إلى المستهلك؟ أم أن الأمر يتعلق بإشكالات حقيقية في الإنتاج والتزويد؟
كل هذه الأسئلة يجب أن تكون محل تحقيق جدي وشفاف، بعيدًا عن الاتهامات العشوائية، لأن حماية السوق والمستهلك ليست مسؤولية المواطن، بل مسؤولية الدولة وأجهزتها الرقابية والقضائية.
فإذا ثبت وجود تجاوزات أو احتكار أو مضاربة أو تعمد لإحداث الاضطراب في السوق، فلا بد من تطبيق القانون ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان موقعه أو نفوذه. فالمساس بمواد أساسية يحتاجها المواطن يوميًا ليس مجرد مخالفة تجارية عادية، بل قضية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
المواطن لا يريد خطابات ولا تبريرات، بل يريد أن يجد الماء في نقاط البيع وبالسعر القانوني. يريد أن يعرف من يتحمل المسؤولية عندما تختفي مادة أساسية من السوق، ومن يقف وراء الاضطرابات المتكررة التي أصبحت ترهق العائلات وتزرع حالة من القلق لدى المستهلكين.
الدولة مطالبة اليوم بأن تكشف الحقيقة كاملة، وأن تضع حدًا لكل من يعبث بالسوق، وأن تفرض القانون على الجميع دون استثناء.
أزمة المياه المعلبة يجب ألا تمرّ مرور الكرام، كما لا يجب أن تصبح الأزمات المتكررة أمرًا عاديًا في حياة التونسيين. المطلوب تحقيق ومحاسبة وإصلاح حقيقي لمسالك التزويد والتوزيع، حتى لا نجد أنفسنا غدًا أمام أزمة جديدة في مادة أساسية أخرى.
فالسؤال لم يعد فقط: أين قارورة الماء؟
بل أصبح: أين المسؤول؟ ومن يحاسب من تسبب في هذه الأزمات؟
معز الغريبي

