مارس 2022، عاشت ولاية بن عروس، إلى جانب أجزاء من ولايات تونس ونابل وزغوان، ظرفًا استثنائيًا تمثّل في انقطاع واضطراب كبير في التزويد بالماء الصالح للشراب، على خلفية أشغال فنية مرتبطة بمشروع توسيع قطر نقل مياه الشمال. واستمر هذا الوضع قرابة أسبوع، مما فرض تحركا عاجلا لتأمين مياه الشرب لمئات الآلاف من المواطنين.
وجاءت عملية الإغاثة والتزويد بالمياه في إطار تعليمات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى والي بن عروس عزالدين شلبي، من أجل التدخل العاجل وتأمين حاجيات المواطنين من مياه الشرب، وتسخير الإمكانيات الضرورية لمواجهة هذه الوضعية الاستثنائية.
وفي الميدان، تحول محيط الملعب الأولمبي برادس إلى مركز رئيسي لتجميع المياه المعدنية، ثم إلى غرفة عمليات لتنسيق عملية توزيعها على مختلف الأحياء والمناطق المتضررة.
وبحسب المعطيات التي تم الإعلان عنها آنذاك، تم تجميع قرابة مليون ونصف حزمة من قوارير المياه المعدنية ( أستيكا) بمحيط الملعب الأولمبي برادس، إلى جانب توفير الصهاريج المخصصة لتزويد الأحياء الأكثر كثافة سكانية بالمياه.
كما تم تسخير عدد هام من وسائل النقل والشاحنات الخفيفة لنقل المياه وتوزيعها، وبلغ عدد وسائل النقل المسخرة، حسب البلاغ الصادر في ذلك الوقت، نحو 1400 وسيلة نقل.
ولم تكن هذه العملية لتنجح بهذا الحجم دون تعبئة مختلف الأطراف. فقد تحول الملعب الأولمبي برادس إلى خلية عمل جمعت السلط الجهوية والشباب المتطوع ومختلف المتدخلين، في عملية متواصلة لتجميع المياه وفرزها ونقلها وتوزيعها على المناطق التي كانت في أمس الحاجة إليها
وفي إطار البحث عن مصادر إضافية للمياه المعدنية، تم عقد اجتماع بين والي بن عروس والرئيس المدير العام للديوان الوطني للمياه المعدنية، تم خلاله حث المؤسسات الحاصلة على تراخيص من الدولة والناشطة في هذا المجال على المساهمة في المجهود الوطني والتبرع بالمياه المعدنية.
وكان عدد هذه المؤسسات، وفق المعطيات المتداولة آنذاك، 32 شركة، بما مكن من تعبئة كميات هامة من المياه المعدنية. وكان المنطلق من هذه الدعوة أن المياه، في ظرف استثنائي كهذا، ليست مجرد سلعة تجارية، وإنما ثروة وطنية وضرورة حيوية لكل التونسيين.
لقد كانت أزمة مارس 2022 اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على التحرك السريع، ولقدرة المجتمع على التضامن. فبتعليمات من أعلى هرم السلطة، تحركت السلط الجهوية، وانخرط الشباب المتطوع، وساهمت المؤسسات الاقتصادية، وتم تسخير وسائل النقل والفضاءات الرياضية واللوجستية لخدمة المواطنين.
وبعيدا عن الحسابات السياسية والشخصية، فإن الصورة التي بقيت من تلك الأيام هي صورة ملعب رادس وقد تحول من فضاء رياضي إلى مركز لإدارة أزمة إنسانية، وصورة شباب تطوعوا في الأحياء والأنهج، ووسائل نقل تتحرك باستمرار لإيصال المياه إلى العائلات في منازلهم في عملية تروية أولية ثم أعيدت مرة أخرى.
إن استحضار هذه الواقعة اليوم ليس الغرض منه صناعة بطولة لأشخاص بعينهم، وإنما توثيق تجربة استثنائية في إدارة أزمة تمس موردا أساسيا من موارد الحياة، وإبراز كيف يمكن لتعليمات سياسية واضحة، وإدارة ميدانية، ومبادرة شبابية، وتضامن المؤسسات، أن تجتمع في ظرف وجيز لتجاوز أزمة كان يمكن أن تكون تداعياتها الاجتماعية أكبر بكثير.
ففي مارس 2022، لم يكن التحدي مجرد توفير المياه، بل كان التحدي هو إيصالها إلى الناس في الوقت المناسب وفي منازلهم. وفي تلك المهمة، تحول الملعب الأولمبي برادس إلى عنوان لعملية تضامنية واسعة، بقيت تفاصيلها شاهدة على حجم التعبئة التي رافقت تلك الأزمة

