ما تعيشه جبال وغابات ولاية جندوبة من حرائق متكررة لا يمكن أن يُنظر إليه فقط باعتباره مسؤولية أجهزة الدولة، مهما كانت جهود الحماية المدنية والغابات والجيش والحرس الوطنيين كبيرة ومقدّرة.
إن غابات جندوبة ثروة وطنية، لكنها قبل ذلك جزء من حياة أبناء الجهة وذاكرتهم ومستقبلهم، ولذلك فإن حماية هذه الثروة يجب أن تتحول إلى مسؤولية جماعية يشارك فيها الجميع.
الدولة مطالبة بتوفير الإمكانيات البشرية واللوجستية، وتعزيز المراقبة والوقاية والتدخل السريع، لكن الدولة وحدها لا تستطيع أن تراقب كل جبل وكل غابة وكل مسلك في مختلف مناطق الولاية.
وهنا يأتي دور أبناء الجهة، وخاصة سكان المناطق والدوّاوير المتاخمة للجبال والغابات. هؤلاء يعرفون مناطقهم ومسالكها، ويستطيعون ملاحظة أي حركة مشبوهة أو تصرف غير عادي قد يشكل خطراً على الغطاء الغابي.
المطلوب ليس أن يتحول المواطن إلى رجل أمن، وإنما أن يكون عيناً يقظة على ثروته: يراقب، وينبه، ويُعلم السلطات المختصة فور ملاحظة أي خطر أو تصرف مشبوه، دون مواجهة الأشخاص أو تعريض نفسه للخطر.
هذه الثقافة موجودة في المجتمعات التي تدرك أن حماية البيئة والثروات الطبيعية ليست مهمة الأجهزة الرسمية وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية المواطن والمجتمع المحلي.
إن كل شجرة تُحرق ليست مجرد شجرة، وكل هكتار من الغابة يختفي هو خسارة للجهة ولتونس وللأجيال القادمة. وغابات جندوبة ليست مجرد مساحة خضراء، بل ثروة بيئية واقتصادية وسياحية، ورافد أساسي من روافد الحياة في الشمال الغربي.
لذلك، وبعد الحرائق التي شهدتها الولاية، أصبح من الضروري التفكير في منظومة محلية للوقاية واليقظة تجمع بين السلطات وأعوان الغابات والحماية المدنية والأمن والجيش والمجتمع المحلي، مع تشجيع المواطنين على الإبلاغ السريع عن الحرائق أو أي نشاط مشبوه.
وفي الوقت نفسه، يجب فتح تحقيقات جدية في أسباب الحرائق، خاصة عندما تندلع عدة حرائق في فترة زمنية متقاربة، حتى يتم التمييز بين الحريق العرضي والطبيعي وبين أي فعل متعمد، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
جندوبة لا تحمي غاباتها الدولة وحدها، ولا يحميها المواطن وحده.. بل يحميها الجميع.
فمن يسكن بجانب الجبل، ومن يعيش قرب الغابة، ومن تربى بين أشجارها، عليه أن يدرك أن الدفاع عن هذه الثروة هو دفاع عن أرضه ومستقبل أبنائه.
غابات جندوبة أمانة.. وحمايتها تبدأ بالوعي، وتكتمل بتعاون الدولة والمواطن.
معز الغريبي

