تثير بعض الظواهر الاجتماعية التي برزت خلال السنوات الأخيرة في تونس، وخاصة تنامي استهلاك المخدرات والخمور لدى فئة من الشباب، قلقاً متزايداً حول مستقبل أبنائنا وانعكاسات هذه السلوكيات على صحتهم الجسدية والنفسية وحياتهم الاجتماعية، فضلاً عن تأثيرها المباشر في الأسرة والمجتمع.
ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في سبب واحد، فهي نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ضعف الإحاطة الأسرية، وتأثير المحيط، والبطالة والفراغ، ورفاق السوء، وسهولة الوصول إلى بعض المواد المخدرة، إلى جانب الحاجة إلى مزيد من الوقاية والتوعية والإحاطة بالشباب.
الأسرة… خط الدفاع الأول
تتحمل الأسرة مسؤولية أساسية في حماية الأبناء ومرافقتهم، خاصة خلال مرحلة المراهقة والشباب. فالحوار والمتابعة ووضع القواعد الواضحة ومراقبة المحيط الذي يعيش فيه الأبناء، كلها عناصر أساسية في التربية.
لكن الأسرة تحتاج أيضاً إلى منظومة واضحة تحفظ دور الأب والأم معاً، وتساعدهما على ممارسة مسؤوليتهما التربوية في إطار القانون، بعيداً عن العنف والإهانة أو الاعتداء.
وهنا يبرز سؤال مهم في النقاش المجتمعي: إذا كانت القوانين تؤكد حماية المرأة والطفل، فأين نتحدث بوضوح عن حقوق الأب داخل الأسرة؟
الأب أيضاً له حقوق ومسؤوليات
الحديث عن حقوق الأب لا يعني بأي شكل من الأشكال الانتقاص من حقوق المرأة أو الطفل، كما لا يعني إعطاء أي شخص الحق في ممارسة العنف داخل الأسرة.
الأب، مثل الأم، يتحمل مسؤوليات تجاه أبنائه، وله دور تربوي وأسري لا يمكن تجاهله. ومن الطبيعي أن يطالب الآباء بأن تكون لهم حماية قانونية واضحة، وأن يتم الاعتراف بدورهم في التربية واتخاذ القرارات المتعلقة بأبنائهم، في إطار القانون ومصلحة الطفل.
فكما نطالب بحماية المرأة من العنف، ونؤكد ضرورة حماية الطفل، يجب أيضاً أن يكون هناك نقاش واضح حول حماية الأب والأم من الاتهامات أو النزاعات الأسرية التي قد تتحول إلى صراعات قانونية، مع ضمان حق كل طرف في اللجوء إلى القضاء عند وجود تجاوزات حقيقية.
المسألة ليست: حقوق المرأة أم حقوق الأب؟
بل السؤال الأهم هو: كيف نضمن حقوق جميع أفراد الأسرة، ونحافظ في الوقت نفسه على تماسكها وسلامة الأطفال؟
الانضباط لا يعني العنف
من الضروري التمييز بين التربية والانضباط من جهة، والعنف من جهة أخرى.
للأولياء الحق في وضع قواعد لأبنائهم، ومتابعة دراستهم، وتنظيم خروجهم ودخولهم، ومعرفة محيطهم، والتدخل عندما تظهر مؤشرات خطيرة مثل استهلاك المخدرات أو الخمور.
لكن ممارسة هذا الدور يجب أن تتم بوسائل تربوية وقانونية سليمة، لأن العنف قد يزيد المشكلات تعقيداً ولا يمثل حلاً للإدمان أو الانحراف السلوكي.
وفي المقابل، فإن معالجة ظواهر خطيرة داخل الأسرة لا تكون فقط بالتهديد بالعقاب أو باللجوء المتكرر إلى المسارات القضائية، وإنما تحتاج أيضاً إلى الإرشاد الأسري والوساطة والدعم النفسي والاجتماعي.
هل تحتاج المنظومة القانونية إلى مزيد من الوضوح؟
هذا السؤال يستحق نقاشاً مجتمعياً هادئاً وجاداً.
فحماية الأطفال من العنف مسؤولية أساسية، لكن حماية الطفل لا ينبغي أن تعني إضعاف دور الأسرة أو تحويل كل خلاف تربوي إلى نزاع قضائي.
المطلوب هو منظومة واضحة تضمن حقوق الطفل، وتحمي المرأة، وتحفظ للأب والأم دورهما ومسؤوليتهما، وتحدد بدقة الحدود الفاصلة بين التربية المشروعة والعنف.
فالأسرة لا يمكن أن تقوم على الخوف، كما لا يمكن أن تستمر في غياب الانضباط والمسؤولية.
الحل لا يكون بالعقوبة فقط
مواجهة استهلاك المخدرات والخمور بين الشباب تتطلب استراتيجية متكاملة تشارك فيها الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الصحية والأمنية والقضائية.
كما يجب أن تبدأ الوقاية في سن مبكرة، من خلال التوعية بمخاطر الإدمان، وتوفير فضاءات للرياضة والثقافة، ودعم الشباب نفسياً واجتماعياً، وتشجيعهم على الدراسة والتكوين المهني والعمل، إلى جانب التصدي لشبكات ترويج المخدرات.
كما أن الأسرة تحتاج إلى المرافقة والإرشاد، حتى يتمكن الأب والأم من التعامل مع أبنائهما في مراحل المراهقة والشباب، خصوصاً عندما تظهر علامات الانحراف أو الإدمان.
حماية الأسرة مسؤولية مشتركة
إنقاذ شباب تونس من مخاطر المخدرات والخمور ليس مسؤولية الأب وحده ولا الأم وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة والمدرسة والمجتمع.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية الأسرة تقتضي الاعتراف بأن للأب حقوقاً كما عليه واجبات، وللأم حقوقاً كما عليها واجبات، وللطفل حقوقاً يجب حمايتها.
لذلك، فإن المطلوب ليس وضع حقوق الأب في مواجهة حقوق المرأة، ولا حقوق الوالدين في مواجهة حقوق الأبناء، وإنما بناء توازن قانوني وتربوي يحفظ كرامة الجميع ويضمن مصلحة الطفل.
فحين تكون الأسرة متماسكة، وحين يعرف كل طرف حقوقه وواجباته، وحين يجد الشباب التأطير والتكوين والعمل والفضاءات الآمنة، تصبح مواجهة المخدرات والإدمان والانحراف أكثر فعالية.
مستقبل شباب تونس لا يحتاج فقط إلى قوانين للعقاب، بل يحتاج إلى أسرة متوازنة، وتربية سليمة، وحوار، ووقاية، وإحاطة اجتماعية ونفسية، وقانون واضح يحمي جميع أفراد الأسرة دون استثناء.
معز الغريبي

