أوقفت السعودية تحذيرات الهجمات العسكرية قبل ضربات مطار الرياض الدامية؛ سعيا للحفاظ على الاستقرار وحياة طبيعية وتجنب الاضطراب، مما أثار انتقادات غربية ومخاوف بشأن هشاشة حماية السكان وغياب التنبيهات، رغم استمرار استضافتها للمؤتمرات الدولية.
أوقفت السلطات السعودية التحذيرات العلنية من هجمات عسكرية مرتقبة قبل أيام من سلسلة ضربات دامية على مطار في العاصمة السعودية الرياض، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 18 شخصا، وإصابة أكثر من 300 آخرين.
تابعوا تطبيق “عرب ٤٨”… سرعة الخبر | دقة المعلومات | عمق التحليلات
ولم توضح السلطات سبب عدم توجيه تلك التحذيرات للجمهور، قبل الهجمات الأربع التي استهدفت الرياض في الأيام القليلة الماضية.
وكانت هذه التحذيرات تسلط الضوء على أعمال العنف التي تقوض مساعي السعودية لتقديم صورة من الاستقرار والهدوء أمام مواطنيها والعالم في ظل حربها مع الحوثيين في اليمن.
وقال أربعة مسؤولين غربيين وعرب في المنطقة ومحللون سياسيون، إن عدم إصدار تلك التحذيرات خلال الهجمات على المطار، أثار تساؤلات بشأن مدى هشاشة السعودية أمام الهجمات، وقدرتها على حماية السكان والزوار.
وأضافوا أن ذلك يعكس أيضا مساعي للحفاظ على شعور بالحياة الطبيعية.
وقال الأكاديمي السعودي المقيم في الولايات المتحدة والزميل المقيم الأول في مركز “ميدل إيست بوليسي كاونسل البحثي”، سلطان العامر، “إنهم (أي الحكومة السعودية)، يريدون الجمع بين الأمرين: شن عملية عسكرية، وفي الوقت نفسه محاولة طمأنة السكان والأطراف الخارجية”.
ويرى بعض المحللين في المنطقة أن النهج السعودي قد يأتي بنتائج عكسية، لأن غياب تلك التحذيرات زاد من حالة الغموض داخل البلاد.
وأصدر الدفاع المدني السعودي، أمس الإثنين، أول تحذيرات له منذ 29 أيلول/ سبتمبر، محذرا من تهديدات محتملة في الرياض ومدن جنوبي البلاد.
ولم يُتحقَّق مما إذا كان قرار استئناف إصدار التنبيهات جاء ردا على الهجمات على المطار.
توقف النظام عن إصدار تحذيرات
تعرضت جميع دول الخليج لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في شباط/ فبراير، لكن حكوماتها تعاملت مع التحذيرات الصادرة للعامة بطرق مختلفة.
فقد أرسلت وزارة الداخلية القطرية تنبيهات على الهواتف المحمولة قبل معظم الهجمات تقريبا، بما في ذلك أحدث الهجمات في تموز/ يوليو، عندما طُلب من السكان البقاء داخل منازلهم والابتعاد عن النوافذ.
كما دأبت البحرين والكويت على إطلاق صفارات إنذار تدعو السكان إلى الاحتماء.
وبدأت السعودية في إصدار تحذيرات من التهديدات عبر الهواتف المحمولة وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نظام وطني للإنذار المبكر في أيار/ مايو. لكن النظام لم يصدر تحذيرات رغم تصاعد هجمات الحوثيين في الأيام القليلة الماضية.
وأظهرت منشورات الدفاع المدني السعودي، أن آخر تنبيه قبل الهجمات التي وقعت خلال الأيام الماضية صدر في 29 أيلول/ سبتمبر في منطقة نجران.
وواصل الدفاع المدني إصدار تحذيرات متعلقة بالسلامة أثناء الأحوال الجوية السيئة، مثل الأمطار والسيول، وكان أحدثها أمس الإثنين.
كما حذر السكان من تداول صور أو شائعات أو معلومات تتعلق بعمليات الاعتراض، ومواقع سقوط المقذوفات، بما في ذلك منشور صدر أمس الإثنين، وذلك بموجب لوائح حكومية صدرت في مارس.
الموازنة بين الرسائل الإعلامية ومنع الاضطراب
وقال مسؤولان مطلعان إن مسؤولين من حكومة غربية حليفة سألوا السلطات السعودية عن سبب توقف التنبيهات قبل الهجمات على المطار في الأيام الماضية.
وأضاف المسؤولان أن الرد كان أن التحذيرات تسبب اضطرابا كبيرا، وأن كثيرا من المواطنين اشتكوا من إيقاظهم ليلا بسببها.
وقال السفير الأميركي السابق لدى السعودية، مايكل راتني، إن الرياض كانت تحاول الموازنة بين رسائلها الإعلامية بشأن الهجمات ومساعيها لمنع الاضطراب في البلاد، لكنها انتهت إلى زيادة الشعور بالقلق من الضربات.
وأضاف أنه “يبدو أن نهجهم في التواصل مع الجمهور هو نتيجة للمأزق الذي يواجهونه: فهم بحاجة إلى الرد على الحوثيين، لكنهم لا يريدون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب اجتماعي، ورسائلهم العلنية تعكس هذا الأمر”.
وتابع: “لكن عدم إصدار تحذيرات من هجمات الحوثيين الوشيكة يخلق حالة القلق التي يحاولون تجنبها”.
تحذير من تهديدات
وقال المحلل السعودي المقرب من السلطات، علي الشهابي، إن الرياض ستواجه صعوبة في حماية جميع أصولها بسبب اتساع مساحتها، سواء وُجدت إنذارات مبكرة أم لا.
وأضاف “في السعودية هناك الكثير مما يجب حمايته. إنها دولة كبيرة تضم مطارات، وخطوط أنابيب، ومنشآت نفطية. لا توجد تغطية كافية لحماية كل شيء في وقت واحد، كما أن عدد أنظمة ’باتريوت الدفاعية’ أو الصواريخ الاعتراضية أو بطاريات الصواريخ لا تكفي للقيام بكل ذلك”.
وأكد أن احتياجات السعودية من الدفاعات الجوية لا حدود لها.
ورغم الهجمات، استضافت السعودية مؤتمرا دوليا، أمس الإثنين، لكن عددا من كبار مسؤولي شركات النفط تغيبوا عنه.
وخلال مؤتمر البترول العالمي في الرياض، تحدث وزير الطاقة، عبد العزيز بن سلمان، شقيق ولي العهد السعودي، بنبرة تحد مع إقراره بوجود مخاطر، لكنه أكد على إصرار الرياض على مواصلة خططها الاقتصادية.
وتوجه بالشكر لكل من سافر إلى الرياض “لأنكم تعلمون أن هذا البلد آمن”، لكنه أضاف “اجتماعنا هنا لا يعني أن الخطر قد زال”.
وتابع “لن نتخلى أبدا عن أي فرصة للحفاظ على التزامنا ورؤيتنا”.
سفارات تصدر تنبيهات داخلية
ورغم عدم إصدار تحذيرات عامة هذا الشهر حتى أمس الإثنين، قال مسؤولان غربيان إن الرياض تعرضت لنحو 12 هجوما.
وكشفت ثلاثة مصادر مطلعة وتنبيهات قالت “رويترز” إنها اطلعت عليها أنه خلال تلك الفترة، أصدرت سفارات غربية في السعودية تنبيهات داخلية للموظفين، للتحذير من هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وقال مصدر إن هذه التنبيهات الداخلية تستند إلى مزيج من معلومات مخابراتية أميركية وغربية، إضافة إلى معطيات من السلطات السعودية.
وذكرت المصادر أنها شملت تنبيهات أُرسلت إلى الموظفين وقت وقوع أول ضربتين على المطار قبل أيام.
وقالوا إن السفارات نفسها لم تتلق أي إنذار داخلي قبل الضربة التي وقعت يوم السبت، من دون تقديم تفسير لذلك.
ونشر التلفزيون السعودي الرسمي، يوم الأحد، لقطات من الهجوم الذي وقع السبت.
وأظهرت المشاهد عددا من المسافرين داخل صالة المطار؛ حيث اصطف العشرات للصعود إلى رحلة جوية، بينما جلس رجال ونساء على المقاعد ينتظرون، وعيونهم مثبتة على شاشات هواتفهم في أثناء تصفحها.
ثم ظهر وميض برتقالي ساطع لانفجار صاروخي.

