لم تكن مسيرة 17 أكتوبر في تونس مجرّد تحرّك احتجاجي رُفعت خلاله شعارات سياسية، بل أعادت إلى الواجهة تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل القوى الديمقراطية، وقدرتها على تجاوز حالة التشتّت وبناء أرضية مشتركة للدفاع عن الحريات والديمقراطية، في سياق سياسي واجتماعي يتّسم بتراجع الثقة في العمل السياسي وتزايد التحديات المطروحة أمام مختلف مكوّنات المجتمع.
وتطرح هذه المحطة إمكانية الانتقال من التحرّكات المنفردة وردود الفعل الظرفية إلى بناء فعل سياسي ومدني مشترك، لا يقتصر على رفض الخيارات القائمة، بل يتجاوز ذلك نحو صياغة بدائل تستجيب لتطلعات التونسيين وتطرح حلولًا واقعية للأزمات التي تعيشها البلاد.
كسر العزلة وإعادة بناء الثقة
في ظلّ تشتّت القوى الديمقراطية وتراجع دور الأجسام الوسيطة، تكتسب إمكانية التقاء أطراف سياسية ومدنية مختلفة حول مطالب مشتركة أهمية خاصة. فاختلاف المرجعيات والتوجهات لا يمنع، بالضرورة، التنسيق حول قضايا الحريات والديمقراطية وضمان حق المواطنين في المشاركة في الشأن العام.
غير أنّ تحويل هذا التقاطع إلى مسار مستمر يتطلّب أكثر من نجاح تحرّك واحد؛ إذ يستوجب بناء الثقة بين مختلف الأطراف، واحترام استقلالية مكوّناتها، والانفتاح على المجتمع المدني والمستقلين، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو احتكار التمثيل.
كما يقتضي العمل المشترك الاتفاق على أرضية واضحة، تسمح بإدارة الاختلافات دون إلغائها، وتوفّر الحدّ الأدنى الضروري من التنسيق حول المبادرات والقضايا المشتركة.
من رفض السياسات إلى تقديم البدائل
ولا يتوقّف التحدّي عند تجاوز التشتّت، بل يشمل أيضًا طبيعة الخطاب السياسي الذي يمكن أن تقدّمه القوى المعارضة. فالاكتفاء بالتعليق على قرارات السلطة أو رفض الأشخاص والخيارات القائمة لا يجيب عن الأسئلة المتعلّقة بمستقبل البلاد والبدائل الممكنة.
ويبرز، في هذا السياق، عدد من الملفات الأساسية، من بينها إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية وضمان استقلاليتها، وتعزيز الثقة بين المواطن والعمل السياسي، وربط الدفاع عن الحريات بقضايا العدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية وتكافؤ الفرص.
كما تبرز الحاجة إلى تصوّرات عملية لمواجهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، والاستجابة لمطالب المواطنين في الشغل والكرامة.
فالديمقراطية لا تنفصل عن الحياة اليومية، والحريات لا تتعارض مع المطالب الاجتماعية، بل تتيح للمواطنين المشاركة في تحديد السياسات العامة ومساءلة المسؤولين عن نتائجها.
ومن هذا المنطلق، يصبح الانتقال من خطاب ردّ الفعل إلى خطاب الاقتراح أحد أبرز التحديات المطروحة أمام مختلف القوى السياسية والمدنية.
17 أكتوبر.. بداية مسار أم فرصة عابرة؟
تتوقّف دلالة مسيرة 17 أكتوبر على ما يمكن أن ينتج عنها من مبادرات وممارسات في المرحلة المقبلة. فإذا بقيت في حدود تحرّك احتجاجي ظرفي، فقد يظلّ تأثيرها مرتبطًا بلحظتها السياسية. أمّا إذا تحوّلت إلى منطلق لحوار جدي وتنسيق مستمر حول القضايا المشتركة، فقد تفتح المجال أمام مراجعة أساليب العمل السياسي والمدني.
ولا يعني ذلك بالضرورة تأسيس هياكل جديدة أو فرض وحدة سياسية بين أطراف تختلف في برامجها وتقديراتها، بقدر ما يعني البحث عن آليات مرنة للتنسيق، تحترم التعدّدية وتوسّع المشاركة وتسمح بتطوير المبادرات المشتركة.
ويظلّ الانفتاح على المواطنين والمستقلين عنصرًا أساسيًا في هذا المسار، خصوصًا أنّ استعادة الثقة في السياسة لا تتحقّق بالبيانات والشعارات وحدها، بل بالإنصات إلى المشاغل اليومية، والحضور في الجهات والفضاءات الاجتماعية، والعمل على تحويل المطالب إلى مقترحات ملموسة.
استعادة السياسة من خلال المجتمع
إنّ الرهان المطروح بعد مسيرة 17 أكتوبر لا يتعلّق فقط بإمكانية تجميع القوى الديمقراطية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء العلاقة بين السياسة والمجتمع.
فاستعادة دور الأحزاب والقوى المدنية تقتضي جعل المواطن شريكًا في تحديد الأولويات وصياغة الحلول، لا مجرّد متلقٍّ للخطاب السياسي أو مشارك في المناسبات الاحتجاجية.
كما تستوجب هذه المهمة الجمع بين الدفاع عن الحريات وتقديم البدائل الاقتصادية والاجتماعية، وبين مقاومة الإقصاء واحترام التعدّدية، بما يتيح بناء عمل مشترك يستند إلى مطالب واضحة وأهداف قابلة للنقاش والتطوير.
وفي المحصّلة، لا تكفي مسيرة واحدة للإعلان عن بداية مرحلة سياسية جديدة، كما لا يمكن قياس أثرها بحجم المشاركة أو الشعارات المرفوعة فقط. فالقيمة الحقيقية لهذه المحطة ستتحدّد بمدى قدرتها على فتح مسار مستمر للحوار والتنسيق، وتجديد أساليب العمل السياسي، وتوسيع مشاركة المواطنين في الشأن العام.
ويبقى السؤال المطروح: هل تتحوّل مسيرة 17 أكتوبر إلى فرصة لتجاوز التشتّت والانتقال نحو فعل سياسي مشترك، أم تظلّ محطة احتجاجية أخرى في مسار سياسي يبحث عن بدائل وآليات جديدة لاستعادة ثقة المواطنين؟
بقلم: رامي الزراع

