أكد ناصر عمار، آمر قوة الإسناد بعملية «بركان الغضب»، أن تأمين الحدود الجنوبية لليبيا يقتضي وضع استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز الانقسام السياسي والعسكري بين شرق البلاد وغربها، محذراً من تحويل الجنوب إلى ساحة للتنافس على النفوذ أو ورقة للمساومة السياسية.
وشدد عمار على أن الجنوب الليبي يمثل عمقاً استراتيجياً وثروة وطنية لا يمكن التفريط فيها، معتبراً أن حماية هذه المنطقة لا تقتصر على الانتشار العسكري ومراقبة الحدود، بل تتطلب أيضاً معالجة آثار التهميش الذي عانت منه مناطق الجنوب على مدى عقود، وضمان استفادة سكانها من الثروات الوطنية.
خريطة النفوذ العسكري.. تعدد القوى وتحديات التأمين
وفي قراءته للمشهد الأمني والعسكري في الجنوب الليبي، أشار عمار إلى تعدد القوى والتشكيلات العسكرية المنتشرة في المناطق الحدودية، من الحدود الجزائرية ومحيط غات، وصولاً إلى المثلث الحدودي مع مصر والسودان وتشاد.
وتبرز في هذه المناطق قوات القيادة العامة، إلى جانب تشكيلات عسكرية وأمنية أخرى، من بينها منطقة الكفرة العسكرية واللواء 128 وكتيبة سبل السلام، في إطار مهام تتصل بمراقبة المسالك الصحراوية ومكافحة التهريب وتأمين المناطق الحدودية، فضلاً عن حماية المنشآت النفطية الاستراتيجية، وفي مقدمتها حقلا الشرارة والفيل.
كما لفت إلى أهمية مناطق مثل الشويرف وغدامس، وما قد تشهده من تنافس على النفوذ أو توترات بين تشكيلات عسكرية مختلفة، بما يجعل توحيد الرؤية الأمنية وتنسيق المهام بين المؤسسات المعنية من أبرز التحديات المطروحة.
وفي السياق ذاته، اعتبر عمار أن التحركات والمناورات العسكرية الأخيرة التي تقودها قوات القيادة العامة، بإشراف رئيس أركان القوات البرية صدام حفتر، تعكس توجهاً نحو رفع جاهزية القوات المنتشرة في المناطق الصحراوية، فضلاً عن حملها رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز الاعتبارات الميدانية المباشرة.
طرابلس والميدان.. فجوة في إدارة الملف الأمني
وسلط عمار الضوء على التباين بين السلطات القائمة في طرابلس وواقع الانتشار العسكري في الجنوب، مشيراً إلى محدودية الحضور الميداني المباشر لبعض المؤسسات في عدد من المنافذ والمناطق الحدودية، مقارنة بالقوى العسكرية الموجودة على الأرض.
كما أثار تساؤلات بشأن دور حكومة الوحدة الوطنية ووزارة الدفاع في إدارة الموارد المالية المخصصة لمشاريع مراقبة الحدود وتأمينها، ومدى انعكاس هذه الاعتمادات على مستوى الجاهزية الأمنية والقدرة الفعلية على حماية الحدود.
ويطرح هذا الوضع، وفق القراءة التي قدمها عمار، إشكالية تتعلق بمدى التنسيق بين القرار السياسي والإمكانات المالية من جهة، والواقع الأمني والعسكري في المناطق الجنوبية من جهة أخرى، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ.
هل تقود التحركات العسكرية إلى توحيد المؤسسات؟
وفي ختام قراءته، طرح آمر قوة الإسناد تساؤلات بشأن مآلات التحركات العسكرية الراهنة، وما إذا كانت ستشكل مدخلاً لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن رؤية وطنية مشتركة، أم أنها ستكرس واقع الانقسام وتفتح الباب أمام تجدد التنافس على الحقول النفطية والمناطق الاستراتيجية.
وأكد عمار أن معالجة ملف الجنوب لا يمكن أن تظل محصورة في المقاربة الأمنية، بل تستوجب ربط حماية الحدود بمسار تنموي جدي يضمن تحسين ظروف العيش وخلق فرص العمل وتطوير البنية التحتية، بما يعزز ثقة السكان في مؤسسات الدولة.
ويظل التحدي الأساسي أمام ليبيا، وفق هذا الطرح، هو الانتقال من تعدد القوى ومراكز القرار إلى استراتيجية وطنية موحدة، تجعل من أمن الجنوب مسؤولية مشتركة، وتحول ثرواته وإمكاناته إلى رافعة للتنمية والاستقرار، بعيداً عن حسابات التجاذب السياسي والصراع على النفوذ.

