أصبح العزوف عن الزواج في تونس ظاهرة اجتماعية تستدعي حلولًا عملية تتجاوز تشخيص الأسباب، في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على مسكن، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد الأعباء المالية التي تثقل كاهل الشباب المقبلين على تأسيس أسرة.
وأمام هذه التحديات، يبرز مقترح يدعو الدولة إلى إحداث منحة خاصة لدعم الزواج بقيمة 10 آلاف دينار لكلّ من الزوج والزوجة، أي 20 ألف دينار للزوجين، لفائدة الشباب من ذوي الدخل المحدود، بما يساعدهم على تجاوز المصاريف الأولية التي أصبحت عائقًا أمام تحقيق الاستقرار الأسري.
منحة لتخفيف أعباء الزواج
يقوم هذا المقترح على إرساء برنامج وطني يتيح للشباب المستوفين لشروط اجتماعية محدّدة الانتفاع بمساعدة مالية تُخصّص لتغطية جانب من تكاليف الزواج، على غرار تأثيث المسكن، واقتناء التجهيزات الأساسية، وتسديد جزء من مصاريف الكراء.
ففي ظلّ محدودية الأجور وارتفاع الأسعار، يجد عدد من الشباب صعوبة في جمع المبالغ الضرورية للزواج، رغم توفر الرغبة في تكوين أسرة. وقد يتحوّل غياب الإمكانات المادية إلى سبب مباشر لتأجيل الزواج لسنوات.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تمثّل المنحة المقترحة آلية من آليات الحماية الاجتماعية، شرط توجيهها إلى مستحقيها وفق معايير واضحة تراعي الدخل والوضعية الاجتماعية.
هل تتحوّل الفكرة إلى برنامج وطني؟
إنّ إحداث منحة لدعم الزواج يطرح مسؤولية الدولة في مساعدة الشباب على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعترضهم. غير أنّ تطبيق هذا المقترح يتطلّب دراسة مالية دقيقة، وتحديد عدد المنتفعين سنويًا، وضبط مصادر التمويل، بما يضمن استمرارية البرنامج وعدم تحوّله إلى عبء غير قابل للتحمّل على ميزانية الدولة.
ويمكن تدعيم المبادرة بإجراءات مكمّلة، من بينها تسهيل الحصول على السكن الاجتماعي، وتوفير قروض ميسّرة، وتعزيز فرص التشغيل، ومراجعة السياسات الاجتماعية بما يستجيب لحاجيات الشباب.
كما يتطلّب نجاح البرنامج وضع ضمانات تمنع استغلال المنحة أو توظيفها في المضاربة، مع تجنّب أي شروط تمسّ بحرية الأفراد في اختيار الزواج أو عدمه.
الاستثمار في الأسرة استثمار في المجتمع
إنّ معالجة العزوف عن الزواج لا يمكن أن تتمّ بالمنح المالية وحدها، لأنّ جذور الظاهرة ترتبط أيضًا بالبطالة، والسكن، والاستقرار المهني، والتحوّلات الاجتماعية والثقافية. لكنّ توفير دعم مالي موجّه قد يشكّل خطوة عملية ضمن سياسة أشمل لمساندة الشباب.
ويبقى السؤال المطروح: لماذا لا تفتح الدولة نقاشًا وطنيًا حول إحداث صندوق لدعم الزواج، يوفّر مساعدات للشباب محدودي الدخل، ويمنحهم فرصة أفضل لبناء أسر بعيدًا عن الضغوط المالية؟
إنّ تمكين الشباب من تأسيس أسر في ظروف كريمة ليس مجرّد مسألة خاصة، بل هو رهان اجتماعي يتطلّب سياسات عمومية تستجيب للواقع وتضع كرامة المواطن واستقراره في صدارة الأولويات.

