لم يعد ملف بيع السجائر في تونس مجرد نشاط تجاري عادي، بل أصبح من الملفات التي تستحق مزيداً من التدقيق والرقابة، خاصة في ما يتعلق باحترام الأسعار الرسمية، وطريقة إسناد رخص بيع التبغ، ومدى التثبت من كيفية استغلال هذه الرخص ومن المستفيد الفعلي منها.
وتخضع منتجات التبغ في تونس لنظام خاص من حيث التسعير والجباية، كما أن استغلال محلات بيع التبغ يخضع لترخيص إداري، وهو ما تؤكده النصوص المنظمة للخدمات الإدارية، فيما تندرج الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد ضمن المؤسسات الخاضعة لإشراف وزارة المالية.
من 4.5 دنانير إلى 8 دنانير… أين تذهب الفوارق؟
عندما تكون علبة سجائر مسعّرة رسمياً بـ4.5 دنانير، ثم يجد المواطن نفسه مطالباً بدفع 8 دنانير في بعض نقاط البيع، فإن الفارق يصل إلى 3.5 دنانير، أي حوالي 77.8 بالمائة فوق السعر الرسمي.
وبطبيعة الحال، فإن ثبوت مثل هذه الحالات يتطلب معاينة ورقابة رسمية، لكن مجرد وجود شكاوى أو حالات ميدانية من هذا النوع يطرح سؤالاً واضحاً: من يراقب احترام الأسعار الرسمية، ومن يتدخل عند وجود تجاوزات؟
وتُظهر وزارة المالية أن التبغ من المنتجات الخاضعة لنظام المصادقة الإدارية للأسعار، كما يخضع للمعلوم على الاستهلاك.
رخصة تبغ… أم نشاط تجاري واسع؟
القضية لا تتوقف عند الأسعار. فالرخصة الخاصة ببيع التبغ هي ترخيص إداري، وليست مجرد نشاط تجاري مفتوح دون ضوابط. وتُدرج النصوص الرسمية استغلال محلات بيع التبغ ضمن الأنشطة الخاضعة للترخيص.
ومن هنا تبرز أسئلة أخرى تستحق إجابات واضحة من الجهات المختصة:
هل تتم مراجعة قائمة أصحاب رخص بيع التبغ بصفة دورية؟
هل يقع التثبت من هوية المستفيد الحقيقي من الرخصة ومن الشخص الذي يستغلها فعلياً؟
هل توجد حالات يستغل فيها شخص واحد أكثر من نقطة بيع، بصورة مباشرة أو عبر أشخاص آخرين؟
وهل يتم التثبت من احترام شروط استغلال الرخصة ومكان النشاط؟
وإذا كانت هناك حالات للتفويت غير القانوني أو الاستغلال لفائدة الغير، فكيف تتم مراقبتها؟
من رخصة لفائدة اجتماعية إلى شبه احتكار؟
المسألة هنا ليست اتهام أصحاب محلات بيع التبغ، ولا التشكيك في كل من يحمل رخصة. وإنما المطلوب هو الشفافية والمراقبة وتطبيق القانون على الجميع.
فإذا كانت رخصة بيع التبغ قد أُسندت وفق شروط محددة، فإن من حق المواطن أن يعرف كيف تتم مراقبة استمرار احترام تلك الشروط، ومن حق السلطات أيضاً أن تتثبت من عدم تحوّل الرخصة إلى وسيلة للسيطرة على أكثر من نقطة بيع أو إلى نشاط مختلف عن الغاية التي أُسندت من أجلها.
أما الحديث عن وجود «بارونات دخان» أو احتكار فعلي، فلا يمكن أن يتحول إلى حقيقة صحفية إلا إذا دعّمته وثائق أو نتائج رقابية أو تحقيقات رسمية.
المطلوب… كشف الحقائق بالأرقام
الملف يحتاج إلى أكثر من التصريحات العامة. المطلوب نشر المعطيات الرسمية المتعلقة بعدد رخص بيع التبغ، وكيفية إسنادها، وشروط المحافظة عليها، وعدد المخالفات المسجلة، والإجراءات المتخذة ضد المخالفين.
كما أن مراقبة الأسعار تبقى مسؤولية أساسية لحماية المستهلك وضمان احترام التسعيرة الرسمية.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: بكم تُباع علبة السجائر؟
بل أيضاً: من يملك الرخص؟ ومن يستغلها فعلياً؟ وكيف تتم مراقبتها؟ وهل تُطبق القواعد نفسها على الجميع؟
أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالاتهامات، وإنما بالوثائق والأرقام ونتائج الرقابة الرسمية.
معز الغريبي

