في هذا الزمن السياسي المتوتر الذي تعيشه المنطقة، لا يبدو أن ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين لبنان وإسرائيل، يمكن فهمه بمنطق الحسم أو النهايات الواضحة، بل الأقرب إلى الواقع هو أننا أمام نمط جديد من العلاقات الدولية يقوم على إدارة التوتر بدل إنهائه، وعلى ضبط الإيقاع بدل كسره، فالصراع لم يعد لحظة استثنائية تسبق السلام، بل أصبح حالة مستمرة تُعاد هندستها يومياً عبر التفاوض والضغط والرسائل العسكرية غير المباشرة، حيث تتداخل الدبلوماسية مع القوة في منظومة واحدة، فلا تعود العقوبات مجرد أداة اقتصادية بل جزءاً من لغة التفاوض، ولا يعود التصعيد العسكري مجرد مواجهة بل وسيلة لتحسين شروط التفاوض، وفي هذا السياق يصبح ما يبدو تناقضاً بين الحرب والمحادثات مجرد وجهين لعملة واحدة، وهي عملة “إدارة الإكراه” التي تحكم سلوك القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء، كما أن المنطقة لم تعد تتشكل من ملفات منفصلة يمكن عزلها عن بعضها، بل من شبكة معقدة من الأزمات المتداخلة التي يؤثر فيها كل مسار على الآخر، فكل تقدم أو تراجع في الملف الإيراني ينعكس مباشرة على ساحات أخرى مثل لبنان أو حتى على توازنات أوسع تتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية، وفي قلب هذا التشابك تتحول الدول الصغيرة أو المتوسطة إلى ساحات تأثير أكثر منها فاعلين مستقلين بالكامل، حيث تجد لبنان نفسه ضمن تقاطع ضغوط إقليمية ودولية تجعل حركته السياسية والأمنية محكومة بهوامش دقيقة، بينما تحاول إسرائيل تثبيت معادلة أمنية تعتبر فيها أن أي تهديد قريب لا يمكن القبول به حتى في ظل المفاوضات، في حين تتعامل إيران مع الملفات الإقليمية بوصفها شبكة نفوذ متكاملة لا تنفصل فيها الجغرافيا عن السياسة ولا الأمن عن التمدد الاستراتيجي، وتتعامل الولايات المتحدة مع المشهد بوصفها مدير توازنات أكثر منها طرفاً يبحث عن نهاية نهائية للصراع، هدفها الأساسي هو منع الانفجار الشامل وضبط إيقاع المنافسة بما يحفظ الاستقرار النسبي في النظام الدولي، ومن هنا فإن ما نراه اليوم ليس طريقاً نحو سلام نهائي ولا انزلاقاً نحو حرب شاملة، بل حالة وسطى دقيقة يمكن وصفها بتوازن متحرك هش، حيث لا يملك أي طرف القدرة على فرض حسم كامل ولا مصلحة له في الانهيار الكامل، بل الجميع يتحرك ضمن مساحة رمادية تتغير حدودها باستمرار وفق ميزان القوى والرسائل المتبادلة على الأرض وفي غرف التفاوض، وإذا ما نظرنا إلى الأشهر الستة القادمة من هذا المنظور، فإن السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار هذا النمط من “اللا حسم”، حيث تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران بشكل متقطع مع إمكانية التوصل إلى تفاهمات جزئية لا ترقى إلى اتفاق شامل لكنها تمنع الانفجار، وفي المقابل يستمر المسار اللبناني الإسرائيلي في حالة من التهدئة الهشة التي تتخللها توترات ميدانية محدودة دون انتقال إلى حرب واسعة، بينما يبقى الإطار الإقليمي العام محكوماً بمنطق احتواء التصعيد لا إنهائه، مع سعي جميع الأطراف إلى تحسين مواقعها تدريجياً دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى انفجار كبير، وهكذا يبدو أن المنطقة ستبقى خلال المرحلة القادمة في حالة توازن غير مستقر، لا هو سلام نهائي يطمئن الأطراف ولا هو حرب مفتوحة تعيد رسم الخرائط، بل حالة سياسية معقدة تُدار فيها الأزمات بدل أن تُحل، وتُؤجل فيها النهايات بدل أن تُحسم، وكأن التاريخ نفسه يسير هنا ببطء محسوب فوق أرض متوترة لا تحتمل السقوط ولا تسمح بالاستقرار الكامل.
محمد علي العقربي

