رغم القفزة الكبيرة التي حققتها صادرات زيت الزيتون التونسي، فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد فقط: كم نصدّر؟ بل أصبح: كم نخسر من القيمة المضافة بسبب طريقة التصدير؟
فالمعطيات المتاحة حول موسم 2025-2026 تؤكد النمو القوي للصادرات. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من الموسم، بلغت الكميات المصدرة نحو 352 ألف طن، بزيادة قدرها 56.7%، فيما وصلت العائدات إلى حوالي 4.394 مليار دينار. لكن المفارقة أن الزيت المعلّب لم يمثل سوى 13.7% من الكميات المصدرة، مقابل 86.3% تم تصديرها في شكل سائب. والأهم أن الزيت المعلّب، رغم محدودية كميته، ساهم بنحو 18.2% من إجمالي عائدات التصدير.
وهنا تطرح تونس سؤالاً اقتصادياً كبيراً: لماذا ننتج زيتاً بجودة عالمية ثم نكتفي بتصديره في الصهاريج والحاويات، بينما تذهب مرحلة التعليب والتسويق والعلامة التجارية إلى الخارج؟
تونس لا تبيع مجرد زيت زيتون؛ تونس تملك منتجاً فلاحياً استراتيجياً، يحمل إمكانات هائلة للعلامات التجارية التونسية ولخلق القيمة المضافة وموارد العملة الصعبة. وقد حصلت منتجات تونسية على عشرات الميداليات الذهبية في مسابقات دولية، وهو ما يعكس المستوى العالي الذي يمكن أن يصل إليه المنتج التونسي عندما يحظى بالتثمين والتسويق المناسبين.
والأغرب أن جزءاً مهماً من الزيت التونسي يتجه إلى أسواق مثل إيطاليا وإسبانيا، وهما من أكبر وجهات صادرات تونس من زيت الزيتون. وتشير بيانات التجارة إلى أن إيطاليا وإسبانيا تستوردان كميات كبيرة من زيت الزيتون التونسي.
المشكلة ليست في التصدير إلى هذه الدول في حد ذاته، وإنما في خسارة تونس لجزء كبير من القيمة المضافة عندما يغادر الزيت التونسي في شكل سائب، ثم تتم في الخارج عمليات التعليب والتسويق وبناء العلامة التجارية.
ومن هنا، فإن الحديث عن إمكانية مضاعفة مداخيل تونس من زيت الزيتون يجب أن يتحول من مجرد شعار إلى استراتيجية وطنية واضحة. وقد يكون من الصعب الجزم بأن المداخيل يمكن أن ترتفع عشرين مرة دون دراسة اقتصادية دقيقة، لكن المؤكد أن هناك مجالاً مهماً لرفع العائدات إذا انتقلت تونس تدريجياً من تصدير المادة الخام إلى تصدير منتج تونسي معلّب، بعلامة تونسية، وبقيمة مضافة تونسية.
المطلوب اليوم ليس بالضرورة منع التصدير السائب بقرار مفاجئ قد يضر بالفلاحين والمنتجين، وإنما وضع خطة وطنية تدريجية تجعل التعليب والتسويق الخارجي أولوية، وتشجع المؤسسات التونسية على الاستثمار في العلامات التجارية، والتغليف، والتسويق الدولي، وشبكات التوزيع.
كما يجب فتح تحقيق جدي، كلما ثبت وجود حالات يتم فيها تغيير مصدر المنتج أو تقديم زيت تونسي للمستهلك الأجنبي بطريقة توحي بأنه منتج من دولة أخرى. لكن لا بد من التمييز بين إعادة التعبئة القانونية وفق قواعد المنشأ وبين الغش أو التضليل في مصدر المنتج، حتى لا تتحول الاتهامات العامة إلى ظلم لمؤسسات تعمل وفق القانون.
إن زيت الزيتون ليس مجرد منتوج فلاحي؛ إنه ذهب أخضر تونسي، ويمكن أن يكون أحد أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد، ومصدراً لآلاف مواطن الشغل في الفلاحة والصناعات الغذائية والتعليب والنقل والتسويق.
السؤال الذي يجب أن تطرحه الدولة اليوم هو: لماذا نبيع الزيت، ولا نبيع معه العلامة التونسية والقيمة المضافة؟
تونس تملك الأرض، وشجرة الزيتون، والخبرة، وجودة الزيت. وما ينقصها أساساً هو أن تجعل “صنع في تونس” جزءاً من كل قارورة تصل إلى المستهلك في الأسواق العالمية.
فالثروة ليست فقط في كمية الزيت التي نُخرجها من البلاد، وإنما في القيمة التي نتركها داخل الاقتصاد التونسي قبل أن يغادر المنتج حدود الوطن.
معز الغريبي

