يشهد المشهد السياسي والأمني في ليبيا تحولات متسارعة، في ظل مؤشرات على تغير طبيعة العلاقات والتحالفات بين عدد من القوى الأمنية والعسكرية، ولا سيما في المنطقة الغربية، بما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن خلفيات هذه التحركات وانعكاساتها على مستقبل التوازنات السياسية والأمنية في البلاد.
وفي قراءة للتطورات الأخيرة، توقف ناصر عمار، آمر قوة الإسناد بعملية بركان الغضب، عند ما وصفه بالتغير اللافت في مواقف عدد من الأطراف التي كانت إلى وقت قريب في حالة خلاف وتصعيد متبادل، قبل أن تظهر مجدداً في لقاءات واجتماعات مشتركة.
من التصعيد والاتهامات إلى التقارب واللقاءات
وأشار عمار إلى التباين بين الخطاب السياسي والإعلامي الذي ساد خلال الفترة الماضية، والتحركات الحالية التي تجمع أطرافاً سبق أن تبادلت الاتهامات بشأن عدد من الملفات الأمنية والسياسية.
ويبرز في هذا السياق ملف «الخلايا الأمنية»، الذي شهد تصعيداً إعلامياً وإجراءات رسمية شملت الإعلان عن عمليات إيقاف وملاحقة لعناصر وجهات يُشتبه في ارتباطها به.
غير أن عودة بعض الأطراف إلى الظهور في مناسبات واجتماعات مشتركة تطرح تساؤلات حول طبيعة التحولات التي شهدتها علاقاتها، وما إذا كانت تعكس مراجعات حقيقية للمواقف السابقة، أم أنها تأتي في إطار ترتيبات جديدة فرضتها حسابات المرحلة وموازين النفوذ.
ملف الخلايا الأمنية.. ماذا تغير؟
ويعيد عمار فتح النقاش حول ملف الخلايا الأمنية، متسائلاً عن خلفيات التركيز عليه في مرحلة سابقة، والأهداف السياسية والأمنية التي ارتبطت بإثارته، قبل أن يتراجع حضوره في المشهد العام.
كما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة الحالية مع محمد بحرون، المعروف بلقب «الفار»، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تعكس وجود تفاهمات أو تقارب بين أطراف كانت مواقفها تتسم بالتصعيد والاتهامات المتبادلة.
وتتصل هذه التساؤلات أيضاً بمدى اكتمال المعطيات التي أُعلنت سابقاً بشأن الملف، والنتائج التي انتهت إليها التحقيقات والإجراءات الرسمية، في ظل غياب توضيحات كافية تضع الرأي العام أمام صورة واضحة بشأن مآلات القضية.
وتظل هذه الطروحات ضمن القراءة السياسية التي يقدمها ناصر عمار، ولا تمثل بحد ذاتها إثباتاً لصحة الاتهامات أو الفرضيات المتداولة.
المصلحة الوطنية أم حسابات النفوذ؟
وفي سياق أوسع، يرى عمار أن التحولات الجارية تستدعي قراءة تتجاوز حدود اللقاءات السياسية والأمنية، لتشمل طبيعة التفاهمات التي قد تكون بصدد إعادة تشكيل العلاقات بين القوى الفاعلة في ليبيا.
فالتقارب بين الأطراف المتنافسة قد يمثل مدخلاً لتجاوز الخلافات السابقة، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول مدى ارتباطه بتغير المصالح وموازين القوى، خصوصاً في ظل استمرار التجاذبات بشأن المؤسسات السيادية، ومن بينها ديوان المحاسبة والمصرف المركزي ومؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.
وتبقى العبرة، وفق هذه القراءة، في مدى انعكاس هذه التحركات على الواقع الأمني والسياسي، وقدرتها على إنتاج تفاهمات مستدامة تساهم في تعزيز الاستقرار، بعيداً عن التحالفات الظرفية المرتبطة بحسابات النفوذ.
ليبيا أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع
وتضع هذه التطورات المشهد الليبي أمام جملة من التساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الأطراف الفاعلة على الانتقال من منطق الصراع وتبادل الاتهامات إلى مسار يقوم على الوضوح والمساءلة والتفاهمات الوطنية.
فما الذي تغير في مواقف الأطراف التي كانت تتبادل الاتهامات؟ وما مصير ملف الخلايا الأمنية؟ وهل يعكس التقارب الحالي بداية مصالحة سياسية وأمنية حقيقية، أم أنه مجرد إعادة ترتيب للتحالفات وفق متغيرات موازين القوى؟
أسئلة تبقى مفتوحة في انتظار إجابات وتوضيحات رسمية، في وقت تظل فيه الشفافية والمحاسبة وتغليب المصلحة الوطنية من أبرز الشروط المطروحة أمام أي مسار جاد نحو الاستقرار في ليبيا.

