ما حدث يوم أمس في قطاع توزيع المحروقات، وما رافقه من اضطراب في التزويد وطوابير طويلة وحالة من الهلع والفوضى في عدد من المناطق، لا يمكن التعامل معه كحدث عابر، خاصة لما خلّفه من تداعيات مباشرة على حياة المواطنين وعلى حركة النقل والاقتصاد.
فمن حقّ العمال والنقابات ممارسة العمل النقابي والتعبير عن المطالب المشروعة، لكن هذا الحق يبقى منظّمًا بالقانون، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل مرفق حيوي أو إدخال البلاد في حالة من الارتباك ونقص المحروقات، بما قد يمسّ بالأمن الاقتصادي والاجتماعي.
والأخطر من ذلك هو ما يطرح من تساؤلات حول مدى قانونية الإضراب، وحول الجهات التي كانت تقف وراءه، وهل تم احترام الإجراءات والآجال القانونية المنظمة للإضرابات أم لا. وهي مسائل لا ينبغي حسمها بالتخمين أو الاتهامات، وإنما عبر تحقيق رسمي مستقل يكشف الحقيقة للرأي العام.
إنّ المحروقات ليست سلعة عادية، بل هي شريان أساسي لحركة سيارات الإسعاف والنقل العمومي والخاص والقطاعات الاقتصادية والخدماتية. وأي اضطراب واسع في توزيعها يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة وطنية، ويخلق حالة من الخوف والاحتقان بين المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب هو فتح تحقيق قضائي وإداري جدي لتحديد المسؤوليات، والتثبت من ملابسات ما حصل، ومعرفة مدى احترام القواعد القانونية المنظمة للإضراب، ومحاسبة كل من يثبت أنه تعمد الإضرار بالمصلحة العامة أو استغل الوضع لإثارة الفوضى، دون استهداف أي طرف لمجرد الانتماء النقابي أو السياسي.
تونس اليوم في حاجة إلى دولة قوية بالقانون، لا إلى الفوضى، وإلى حوار مسؤول بين الحكومة والنقابات وأصحاب المؤسسات، بعيدًا عن منطق التصعيد الذي يدفع ثمنه المواطن.
ما حدث يجب ألا يمرّ مرور الكرام، لكن في المقابل يجب أن تكون المحاسبة على أساس القانون والأدلة، لا على أساس الاتهامات. فالأمن الوطني والاقتصادي خط أحمر، وحماية مصالح المواطنين مسؤولية مشتركة لا تقبل التلاعب أو المغامرة.
معز الغريبي

