قصة نجاح امرأة اختارت أن تجعل حبّ الأطفال بوصلتها، والإرادة طريقها، والإنسانية رسالتها.
من روضة الكتاكيت بساقية سيدي يوسف، انطلقت سنة 2005 رحلة سعيدة بلعابي، بمشروع بسيط وحلم كبير لم تكن تدرك حينها أنه سيقودها إلى مسيرة مهنية وإنسانية متميّزة في مجال اضطراب طيف التوحّد وصعوبات التعلّم.
كانت البداية مع الطفل محمد، الذي أثارت حالته انتباهها بسبب ضعف تفاعله وعدم استجابته للأصوات. ومن خلال الملاحظة والبحث والإصرار، بدأت سعيدة رحلة اكتشاف هذا العالم، لتتحوّل تجربتها الأولى إلى نقطة انطلاق نحو التكوين والتأهيل والتخصص في مجال اضطراب طيف التوحّد.
وفي سنة 2007، قرّرت خوض مسار علمي ومهني جديد، فواصلت البحث والتكوين، متحدّية الصعوبات والعراقيل، حتى تحصّلت على شهادة مدرّبة دولية معتمدة من البورد الألماني.
لم تكن رحلة سعيدة بلعابي مجرّد مسار مهني بحثًا عن النجاح أو الألقاب، بل كانت رحلة إيمان برسالة إنسانية قوامها فهم الطفل، واكتشاف قدراته، ومساعدة عائلته على تجاوز التحديات. وقد استطاعت، بفضل المثابرة والعمل، أن توسّع دائرة تجربتها لتتجاوز حدود تونس وتصل إلى العالم العربي وبعض البلدان الأوروبية.
وتواصل اليوم تحقيق حلمها من خلال أكاديمية ياسين النموذجية، التي تسعى إلى أن تكون فضاءً تربويًا وتأهيليًا يحتضن الأطفال، ويعمل على تنمية قدراتهم ومواهبهم، ويوفّر المرافقة والدعم لأسرهم.
ولا تتوقف طموحاتها عند هذا الحد، إذ تستعد لخوض تجربة جديدة من خلال دعوة لتقديم ندوة في مملكة البحرين حول الثقافة الجنسية والتوعية الوقائية للطفل ذي اضطراب طيف التوحّد، في خطوة تعكس اتساع اهتماماتها ورغبتها في الإسهام في نشر الوعي والمعرفة في هذا المجال.
وتؤكد سعيدة بلعابي أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالألقاب وحدها، وإنما بالأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين، وبقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والأحلام إلى مشاريع واقعية.
وفي رسالة إنسانية تعبّر عن فلسفتها في الحياة، تدعو إلى نشر ثقافة المحبة والتشجيع والفرح بنجاح الآخرين، والابتعاد عن الغيرة والتعليقات السلبية التي قد تحبط أصحاب الأحلام والطموحات.
سعيدة بلعابي… قصة امرأة بدأت بحلم صغير، وجعلت من حبّ الأطفال رسالة، ومن الإرادة وسيلة للنجاح، ومن العطاء جسرًا يتجاوز الحدود.
فالأثر الطيب لا تصنعه الشهادات وحدها، بل تصنعه القلوب التي تؤمن بالإنسان، وتمنح الآخرين فرصة ليكونوا أفضل.
قصة نجاح تستحق التقدير، ورسالة إنسانية عنوانها: نلتقي لنرتقي.

