ليبيا تملك الثروات والموقع والإمكانات… لكنها ما تزال تدفع ثمن الانقسام
إلى متى ستبقى ليبيا الشقيقة أسيرة الانقسام السياسي والمؤسساتي؟ وإلى متى سيظل الشعب الليبي يدفع ثمن صراع سياسي طال أكثر مما ينبغي؟
بعد سنوات طويلة من الأزمة، ما تزال ليبيا تعيش واقعاً منقسماً بين مؤسسات وقوى متنافسة، فيما لم تُحسم بعد القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية التي تسمح بإجراء انتخابات وطنية تنهي المراحل الانتقالية المتتالية. وقد أكدت الأمم المتحدة أن توحيد مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات ومعالجة أسباب الصراع ما تزال في صلب المسار السياسي.
المشكلة أن ليبيا ليست دولة فقيرة أو عاجزة عن بناء مستقبلها. فهي بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وموارد وإمكانات قادرة على تحويلها إلى واحدة من أكثر الدول استقراراً وازدهاراً في المنطقة.
لكن الثروة في ظل الانقسام تتحول من نعمة إلى مصدر للتنافس والصراع.
ومن حق الليبيين أن يتساءلوا: هل أصبح الانقسام السياسي مصلحة لبعض الأطراف؟ وهل ما تزال هناك قوى داخلية وخارجية تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه؟
لا شك أن ليبيا تحولت طوال السنوات الماضية إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، مرتبطة بالنفط والطاقة والأمن والهجرة والنفوذ الجيوسياسي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن التنافس الدولي والإقليمي لا يزال أحد العوامل المؤثرة في المشهد الليبي.
لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية الأزمة ليس كافياً.
المسؤولية الأولى تقع على عاتق الليبيين أنفسهم، وخاصة الطبقة السياسية.
فلا يمكن لدولة أن تبني مستقبلاً وهي منقسمة على نفسها، ولا يمكن أن يستمر وجود مؤسسات متوازية وسلطات متنافسة إلى ما لا نهاية. وقد شهد عام 2026 خطوات نحو توحيد الإنفاق والمؤسسات، كما صدرت دعوات ليبية واضحة لتوحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة.
الشعب الليبي لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات والبيانات والوعود، بل يحتاج إلى قرار سياسي شجاع يضع مصلحة ليبيا فوق مصالح الأشخاص والقبائل والمجموعات والمناطق.
ليبيا بحاجة إلى مشروع وطني واضح: توحيد مؤسسات الدولة، توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، حماية الثروة الوطنية، إنهاء التنافس على النفط والمال العام، ثم الذهاب إلى انتخابات حقيقية يختار فيها الليبيون من يحكمهم.
وقد قدم الحوار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة في يونيو 2026 أكثر من 525 توصية تتعلق بالانتخابات وتوحيد المؤسسات ومعالجة جذور الصراع، ما يعني أن الأفكار والحلول موجودة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويلها إلى قرارات وتنفيذ على أرض الواقع.
فإلى متى؟
إلى متى يبقى المواطن الليبي ينتظر الدولة الموحدة؟
إلى متى تبقى ثروات ليبيا محل تجاذب وصراع؟
وإلى متى تظل البلاد رهينة حسابات السياسيين والقوى المتنافسة؟
لقد حان الوقت لكي يدرك الجميع أن ليبيا ليست غنيمة لأحد، وأن النفط والثروات الليبية ملك للشعب الليبي، وأن استمرار الانقسام لا يضعف طرفاً سياسياً فقط، بل يضعف ليبيا كلها.
إن إنهاء الانقسام لن يكون هدية من الخارج، ولن يتحقق بالبيانات وحدها، بل يحتاج إلى إرادة ليبية صادقة وشجاعة تاريخية من جميع الأطراف.
ليبيا تستحق أن تكون دولة واحدة، بمؤسسات واحدة، وجيش واحد، وحكومة واحدة، وانتخابات حرة، وثروة تخدم شعبها لا الصراعات السياسية.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام الجميع:
هل يختار السياسيون الليبيون أخيراً ليبيا… أم يواصلون اختيار مصالحهم؟
معز الغريبي

