منذ سنوات، كان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي من أكثر القادة العرب إثارةً للجدل بخطاباته ومواقفه السياسية الصريحة، التي لم تكن تخضع كثيرًا للغة الدبلوماسية التقليدية.
كان القذافي يتحدث بطريقة مباشرة، وينتقد علنًا ما كان يراه تراجعًا في الموقف العربي، وانقسامًا بين الدول العربية، وتدخلًا للقوى الأجنبية في المنطقة. وكثيرًا ما قوبلت خطاباته بالسخرية، واعتبرها البعض مجرد تصريحات مثيرة للجدل لا أكثر.
لكن بعض كلماته اكتسبت، مع مرور السنوات، قراءة مختلفة.
ولعل أبرز تلك المواقف كان خلال القمة العربية العشرين في دمشق سنة 2008، عندما وقف القذافي أمام عدد من القادة العرب وتحدث بلهجة شديدة الصراحة عن مصير الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وعن موقف الدول العربية من سقوطه وإعدامه.
وقال القذافي آنذاك إن قوة أجنبية احتلت دولة عربية وأطاحت برئيسها، بينما وقف العرب يتفرجون، محذرًا القادة العرب من أن ما حدث لصدام حسين قد يتكرر مع غيره. وخلال كلمته الشهيرة قال لهم: «قد يأتي عليكم الدور كلكم».
لم تمر تلك الكلمات دون جدل، بل أثارت استغرابًا وسخرية داخل القاعة، وأصبحت العبارة لاحقًا من أشهر ما ارتبط بخطاب القذافي في قمة دمشق.
وبعد سنوات، ومع ما شهدته المنطقة العربية من حروب وسقوط أنظمة وصراعات وتدخلات خارجية، عاد كثيرون إلى تسجيلات خطابات القذافي القديمة، ليس بالضرورة باعتبارها «نبوءات»، وإنما باعتبارها مواقف سياسية وتحذيرات تستحق إعادة القراءة في ضوء ما حدث لاحقًا.
واللافت أن القذافي لم يكن يتحدث في دمشق فقط عن مصير الحكام، بل كان ينتقد حالة الانقسام العربي، ويقول إن العرب أصبحوا منقسمين ويتآمر بعضهم على بعض، داعيًا إلى بناء قوة عربية قادرة على مواجهة التحولات الدولية. وقد وصفت تقارير القمة خطابه بأنه كان من أكثر الخطب صراحة وانتقادًا للوضع العربي آنذاك.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على تلك القمة، يمكن للمتابع أن يعود إلى أرشيف القذافي ويسأل: هل كان الرجل يرى مبكرًا حجم الخطر الذي كانت المنطقة تتجه إليه، أم أن بعض كلماته اكتسبت قوتها من الأحداث التي جاءت بعدها؟
التاريخ وحده قادر على تقديم الإجابة الكاملة.
لكن المؤكد أن خطاب دمشق سنة 2008 بقي حاضرًا في الذاكرة السياسية العربية، وخاصة عبارة «الدور جاي عليكم»، التي أعادتها الأحداث إلى الواجهة بعد سنوات من إطلاقها.
ويبقى معمر القذافي، بكل ما له وما عليه، شخصية سياسية مثيرة للجدل تركت أثرًا كبيرًا في تاريخ المنطقة، ولا تزال خطاباته ومواقفه تثير النقاش حتى بعد رحيله.
رحم الله معمر القذافي، ويبقى الحكم على الرجال والأحداث للتاريخ.
معز الغريبي

