تتجه الأنظار خلال الفترة الأخيرة إلى جملة من التحركات السياسية والعسكرية والتنموية في ليبيا، تزامنت مع حضور متزايد للفريق أول ركن صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة، في ملفات تتصل بتطوير المؤسسة العسكرية، ودعم مسار توحيد مؤسسات الدولة، ومتابعة جهود إعادة الإعمار.
وتتقاطع هذه الملفات في نقطة أساسية تتمثل في الدعوة إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتجاوز حالة الانقسام التي عرفتها ليبيا خلال السنوات الماضية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة وإمكانية انتقال البلاد تدريجياً نحو مزيد من التنسيق بين مؤسساتها.
البرلمان.. دعوة إلى تعزيز العمل المؤسساتي
برزت في هذا السياق التطورات الأخيرة داخل مجلس النواب، بعد انتقال رئاسة المجلس إلى هيئة جديدة برئاسة الصالحين عبد النبي، ونائبيه مصباح دومة وطارق الأشتر.
وقد رحب صدام حفتر بهذه الخطوة، مشدداً على أهمية تطوير آليات العمل البرلماني واعتماد نظام الدورات، مع التأكيد على تغليب منطق الدولة والمؤسسات.
كما ارتبطت هذه المواقف بالدعوة إلى استكمال توحيد المؤسسات السياسية والتنفيذية والأمنية، بما يعزز فكرة العمل ضمن مؤسسات وطنية قادرة على أداء مهامها بصورة أكثر انتظاماً.
سرت.. حوار عسكري يتقدم
على المستوى العسكري، برزت مدينة سرت خلال الأشهر الماضية باعتبارها إحدى ساحات اللقاء والتنسيق بين قيادات عسكرية من شرق البلاد وغربها.
وفي يوليو 2026، رحب صدام حفتر باللقاء العسكري الوطني الذي احتضنته سرت، معتبراً إياه خطوة في اتجاه دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية.
وتواصلت اللقاءات خلال سبتمبر من خلال اجتماع مشترك لرؤساء الأركان النوعية، حيث تم بحث عدد من الملفات المتعلقة بالتنسيق والتعاون ووضع برامج عمل مشتركة.
ويمثل هذا المسار أحد الملفات المهمة في المشهد الليبي، بالنظر إلى أن توحيد المؤسسة العسكرية يرتبط بجملة من القضايا المتعلقة بالتنظيم والصلاحيات وآليات التنسيق بين مختلف المؤسسات.
الإعمار.. البعد التنموي للمشهد
ولا يقتصر الحراك على الجوانب السياسية والعسكرية، إذ يحضر ملف إعادة الإعمار بقوة ضمن المشهد العام.
وفي يونيو الماضي، شارك صدام حفتر في افتتاح مقر لجنة إعادة إعمار منطقتي الصابري ووسط البلاد التابعة لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، حيث تم استعراض مراحل تنفيذ عدد من المشاريع وخطط العمل المرتبطة بها.
ويبرز ملف الإعمار باعتباره أحد العناصر الأساسية في مرحلة إعادة بناء الدولة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات وتهيئة الظروف المناسبة للنشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
تطوير المؤسسة العسكرية
وفي السادس من أكتوبر، عقد صدام حفتر اجتماعاً موسعاً مع رؤساء الأركان النوعية، خُصص لبحث عدد من الملفات المتعلقة بالتطوير والتدريب ورفع الكفاءة وتعزيز جاهزية الوحدات.
ويأتي هذا الاجتماع في إطار مسار يركز على تطوير أداء المؤسسة العسكرية وتنظيم عملها، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تعزيز التنسيق بين مختلف مكوناتها.
الكفاءات الشابة وتجديد المؤسسات
ويبرز كذلك توجه نحو الاستفادة من الكفاءات الشابة في مجالات الإدارة والتخطيط والعمل المؤسساتي، باعتبار أن تطوير مؤسسات الدولة لا يرتبط فقط بإعادة تنظيم هياكلها، وإنما أيضاً بتجديد مواردها البشرية والاستفادة من الطاقات والخبرات الجديدة.
نحو مرحلة جديدة؟
بين البرلمان واللقاءات العسكرية ومشروعات إعادة الإعمار وتطوير المؤسسة العسكرية، تتقاطع عدة مسارات في المشهد الليبي الحالي.
ومن المبكر اختزال هذه التحركات في مسار واحد أو اعتبارها حسمًا نهائياً لطبيعة المرحلة المقبلة، لكن تزامنها يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل مؤسسات الدولة وإمكانية تعزيز التنسيق بينها.
ويبقى نجاح أي مسار مرتبطاً بقدرة مختلف الأطراف الليبية على الوصول إلى تفاهمات بشأن شكل المؤسسات وصلاحياتها وآليات عملها، بما يحافظ على وحدة الدولة ويخدم مصالح الليبيين.
وفي نهاية المطاف، فإن المعيار الأهم سيكون مدى تحول المبادرات واللقاءات والتصريحات إلى خطوات مؤسساتية عملية ومستدامة، تساهم في ترسيخ الاستقرار ودعم التنمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية.

