من النفط والغاز إلى الطاقة المتجدّدة والمعادن الاستراتيجية، تتغيّر خريطة النفوذ العالمي، فيما تواجه تونس تحدّي تقليص التبعية الطاقية وتحويل مواردها الطبيعية إلى رافعة للتنمية والسيادة الاقتصادية.
لم يعد الصراع في العالم مقتصرًا على الحدود والأسواق ومناطق النفوذ، بل امتدّ إلى مجال أكثر ارتباطًا بمستقبل الدول وموازين القوى، وهو التحكّم في مصادر الطاقة وتكنولوجيات إنتاجها وتخزينها وتوزيعها. فبينما لا يزال النفط والغاز يحتفظان بمكانتهما في الاقتصاد العالمي، تتصاعد المنافسة على الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات والمعادن الاستراتيجية، في تحوّل يعيد رسم خريطة المصالح والتحالفات الدولية.
فالطاقة ليست مجرّد مورد اقتصادي، بل عنصر أساسي في الأمن القومي، وشرط لاستمرار الإنتاج الصناعي، ومحرك للتنمية والاستثمار. ومن يمتلك القدرة على إنتاجها بكلفة تنافسية وضمان استمرارية إمداداتها، يمتلك إحدى أهم أدوات التأثير في الاقتصاد العالمي.
من النفط والغاز إلى التكنولوجيا الطاقية
على امتداد عقود، ارتبطت موازين القوى الدولية بالسيطرة على حقول النفط والغاز والفحم، وبالقدرة على تأمين طرق النقل والإمدادات. وقد شكّلت هذه الموارد محورًا رئيسيًا في العلاقات الاقتصادية والسياسية، نظرًا إلى دورها في تشغيل المصانع وتوليد الكهرباء وتأمين احتياجات النقل.
غير أنّ التحوّلات التكنولوجية والمناخية بدأت تفتح مرحلة جديدة من التنافس. فلم يعد الرهان مقتصرًا على امتلاك الاحتياطات النفطية، بل أصبح يشمل تطوير الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وتصنيع البطاريات، وتأمين المعادن الضرورية للصناعات النظيفة، والتحكّم في تقنيات تخزين الكهرباء وإدارة الشبكات.
وتكشف هذه التحوّلات عن واقع جديد: قد تتغيّر مصادر القوة الطاقية، لكنّ التنافس على الموارد والأسواق والتكنولوجيا لن ينتهي بالضرورة، بل قد يتخذ أشكالًا مختلفة.
وفي هذا السياق، لا يعني التوسّع في الطاقات المتجدّدة نهاية عصر الوقود الأحفوري بصورة فورية. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية تتعايش فيها المصادر التقليدية مع البدائل الجديدة، وسط تفاوت واضح بين الدول في قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية والاستثمارية.
الطاقات المتجدّدة: استقلال جديد أم تبعية مختلفة؟
يُنظر إلى الانتقال الطاقي باعتباره فرصة لتقليص الاعتماد على النفط والغاز وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة. غير أنّ التحوّل من مصدر طاقة إلى آخر لا يضمن، بمفرده، تغيير موازين القوى أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي.
فإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح يقلّص الحاجة إلى الوقود المستورد، لكنه يتطلّب استثمارات كبيرة، وشبكات كهربائية متطورة، وحلولًا فعّالة للتخزين، فضلًا عن تجهيزات وخبرات تقنية قد لا تتوفر محليًا بالقدر الكافي.
كما أنّ تصنيع البطاريات والألواح الشمسية يعتمد على سلاسل توريد دولية ومعادن استراتيجية تتوزّع احتياطاتها وقدرات معالجتها وتصنيعها بصورة غير متكافئة بين البلدان.
وهكذا، قد تنجح دولة في تقليص وارداتها من النفط والغاز، لكنها تجد نفسها مرتبطة بالخارج في مجال التكنولوجيا والمعدات والمواد الأولية. ومن هنا، فإنّ التحدّي الحقيقي لا يتمثّل في إنتاج الطاقة النظيفة فقط، بل في بناء قدرات وطنية تضمن استدامة هذا الإنتاج وتحدّ من التبعية للمورّدين الخارجيين.
الذكاء الاصطناعي يرفع سقف المنافسة على الكهرباء
تزداد أهمية الطاقة مع التوسّع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وانتشار مراكز البيانات، وتطور الصناعات الرقمية. فهذه الأنشطة تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء وإلى شبكات قادرة على توفيرها بصورة مستقرة.
وبذلك، لم تعد المنافسة التكنولوجية منفصلة عن المنافسة الطاقية. فالدول التي تسعى إلى استقطاب الاستثمارات في الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا تحتاج إلى بنية تحتية كهربائية قادرة على تلبية الطلب، وإلى أسعار طاقة تسمح للمؤسسات بالمنافسة.
ومن هذا المنطلق، تتحوّل السيادة الطاقية إلى جزء من الأمن الاقتصادي، وتتجاوز مسألة توفير الكهرباء لتصبح عنصرًا مؤثرًا في القدرة على الابتكار والإنتاج وجذب الاستثمارات.
تونس أمام تحدّي السيادة الطاقية
بالنسبة إلى تونس، لا يمثّل الصراع العالمي على الطاقة مسألة بعيدة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالتبعية الطاقية تؤثر في الميزان التجاري ومالية الدولة وكلفة الإنتاج، كما تنعكس على تنافسية المؤسسات والقدرة الشرائية للمواطنين.
وتشير بيانات وزارة الصناعة والمناجم والطاقة إلى أنّ نسبة الاستقلالية الطاقية في تونس بلغت 32 بالمائة في نهاية أوت 2026، مقابل 36 بالمائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق المعطيات الواردة في المؤشرات الرسمية للقطاع.
وتبرز هذه الأرقام حجم التحدّي الذي تواجهه البلاد في تقليص الفجوة بين حاجياتها من الطاقة وقدرتها على توفيرها من مواردها المحلية.
ورغم ما تمتلكه تونس من إمكانات في مجال الطاقة الشمسية والرياح، فإنّ تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي ومستدام يتطلّب تسريع إنجاز المشاريع، وتطوير شبكات الكهرباء، والاستثمار في التخزين والنجاعة الطاقية، إلى جانب توفير مناخ واضح وشفاف للاستثمار.
ولا ينبغي أن يقتصر الرهان على إنتاج الكهرباء من مصادر متجدّدة، بل يجب أن يشمل أيضًا تطوير الكفاءات الوطنية، وتكوين المختصين، وتشجيع الصناعات المحلية المرتبطة بالتجهيزات والصيانة، والعمل على نقل التكنولوجيا وتعزيز قدرات البحث العلمي.
فما الجدوى من التوسّع في إنتاج الطاقة الشمسية إذا ظلّت المعدات الأساسية مستوردة، أو لم تتمكّن الشبكة الكهربائية من استيعاب الإنتاج، أو لم تنعكس الاستثمارات على الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل؟
إنّ السيادة الطاقية لا تعني الانغلاق عن العالم أو رفض الاستثمار الأجنبي، بل تعني تنويع الشركاء، وتحسين شروط التفاوض، وتطوير القدرات الوطنية، وضمان أن تخدم المشاريع الطاقية المصالح الاقتصادية للبلاد على المدى الطويل.
الطاقة بين الأمن الاقتصادي والعدالة الاجتماعية
لا يمكن فصل ملف الطاقة عن الخيارات التنموية والاجتماعية. فنجاح الانتقال الطاقي لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، بل أيضًا بمدى انعكاسه على كلفة الإنتاج، وفرص التشغيل، واستقرار التزوّد بالكهرباء، وقدرة المواطنين والمؤسسات على تحمّل التكاليف.
ومن الضروري أن ترافق السياسات الطاقية رؤية متكاملة تربط بين الإنتاج والصناعة والنقل والفلاحة والبحث العلمي. كما ينبغي أن تضمن توزيعًا متوازنًا لمنافع الانتقال الطاقي، حتى لا تتحمّل الفئات محدودة الدخل وحدها كلفة التحوّلات الاقتصادية.
فالطاقة المتجدّدة يمكن أن تكون فرصة لتطوير الاقتصاد الوطني، شريطة أن تتجاوز المشاريع حدود إنتاج الكهرباء إلى خلق قيمة مضافة محلية، وتعزيز الخبرات، ودعم المؤسسات، وتوفير فرص عمل مستدامة.
من يملك الطاقة يملك جزءًا من القرار
يكشف الصراع العالمي على الطاقة أنّ الاستقلال السياسي لا يكتمل دون قاعدة اقتصادية قادرة على الصمود أمام الأزمات الخارجية وتقلبات الأسواق. وتظلّ الطاقة أحد أهم عناصر هذه القاعدة، بما لها من تأثير مباشر في الإنتاج والتجارة والاستثمار والمالية العمومية.
وبالنسبة إلى تونس، لا يكفي انتظار انخفاض أسعار النفط أو التعويل على اكتشافات جديدة، بل يتطلّب الوضع رؤية طويلة المدى، بأهداف واضحة وآليات متابعة وتقييم، تجعل من الطاقة رافعة للتنمية لا مجرّد عبء على الميزانية.
ويبقى السؤال الأساسي: هل ستكتفي الدول بتغيير مصادر الطاقة التي تستوردها، أم ستعمل على امتلاك التكنولوجيا والقدرات التي تسمح لها بالتحكّم في إنتاجها وتطويرها؟
في عالم تتغيّر فيه مصادر القوة من عصر إلى آخر، لن يكون الرهان الحقيقي مجرّد امتلاك النفط أو الشمس والرياح، بل القدرة على تحويل الموارد إلى ثروة وإنتاج وفرص عمل واستقلال في القرار.
أما تونس، فإنّ السيادة الطاقية تمثّل أحد الشروط الأساسية لتعزيز استقلال قرارها الاقتصادي، والحدّ من هشاشتها أمام تقلبات الأسواق الدولية، وبناء نموذج تنموي أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

